إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد غوثا وهو بأرض ليس بها أنيس

فليقل: يا عباد الله أغيثوني ثلاثا فإن لله عبادا لا يراهم. وقد جرب ذلك كذا في الأصل ولم أعرف تعيين قائله ولعله مصنف المعجم» (فيض القدير1/ 307).

رواه الطبراني في الكبير (17/ 117) من طريق عبد الرحمن بن شريك النخعي، عن أبيه، عن عبد الله بن عيسى، عن زيد بن علي، عن عتبة بن غزوان مرفوعا.

قلت: وهذا سند شديد الضعف، فيه علل:

الأول: تفرد به عبد الرحمن بن شريك وهو ابن عبد الله القاضي. وهو وأبوه ضعيفان متكلم فيهما. قال الحافظ في الأول «صدوق يخطىء» وفي الثاني «صدوق يخطئ كثيرا». ورواه الهيثمي ثم أشار الى ضعف بعض رواته (مجمع الزوائد10/ 132).

الثاني: فيه انقطاع بين زيد بن علي وبين عتبة. فإن زيد بن علي عن عتبة معضل، فقد ولد زيد سنة ثمانين، وتوفي عتبة سنة سبعة عشر أو عشرين على آخر الأقوال! والمعضل هو شديد الضعف ولا يتقوى بالمتابعات كما هو معلوم.

وقال الهيثمي: رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة (مجمع الزوائد10/ 132). وأعله ابن حجر في تخريج الأذكار بالانقطاع أيضا، وضعفه الألباني (سلسلة الضعيفة 656).

وقد صحف محمود سيد ممدوح اسم (زيد) إلى (يزيد)

(تنبيه) وقع بعد الحديث عند الطبراني عبارة: (وقد جُرِّب ذلك).

وهذه عبارة لا يُعلم قائلها، فقد يكون صاحب المعجم، وقد يكون الراوي عنه، وربما أحد النساخ، ثم هي مبنية للمجهول، فإن كانت عن الغير فأين سندها؟ وعلى كل الأحوال فلا حجة فيها، لأن قائلها ليس من مصادر التشريع! وكذلك التجربة ليست من مصادر التشريع. فقوله والنووي والبيهقي «إنه جربه هو وبعض أكابر مشايخه» فالسنة لا تثبت بالتجربة وإنما بالسند.

وكذا ما يمكن أن يوجد من عبارة تشبهها عن أيٍّ من العلماء كائنا من كان، ولا سيما أن الحديث في العقيدة، والصنف الذي يحتج بأمور كهذه من عادته اشتراط التواتر و .. و .. فكيف يحتج بالعادات والتجارب الفردية!

وهل ستتجدد عندهم أمور في الدين كل ما جاء أحد وقال: جربت كذا فصار كذا؟! ثم ألم يجربوا قول النبي («إذا سألت فاسأل الله وإذا ساتعنت فاستعن بالله»؟ أم أن هذا النوع من التجربة النبوية لا يعنيهم؟

وعلى فرض صحته فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنه صريح أن المقصود بـ (عباد الله) خلق غير البشر، لأن وصفهم جاء بأنا (لا نراهم)، فهذا منطبق على الجن المؤمنين أو الملائكة الذين لا نراهم عادة. وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار من رواية حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد الليثي، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا بلفظ «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يتساقط من ورق الشجر. فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني».

قال الحافظ كما في شرح ابن علان (5/ 151) «هذا حديث حسن الإسناد غريب جدا، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي (بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وحسنه السخاوي في الابتهاج وقال الهيثمي «رجاله ثقات» غير أن البيهقي رواه في الشعب موقوفا. والشيخ الألباني حسن الرواية غير أنه أوقفها على ابن عباس. (أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة2/ 108 ح رقم (655).

ولكن راويه حاتم بن إسماعيل خالفه من هو أوثق منه فأوقفه، رواه البيهقي في الشعب من طريق جعفر بن عون عن أسامة به إلى ابن عباس موقوفا. فهذا أصح من الأول.

فالاستعانة بالحي المستطيع ليست شركا، وهذا معروف بين البشر، أما من الملائكة فيحتاج إلى دليل خاص لإثباته، وأثر ابن عباس قال عنه الشيخ الألباني رحمه الله «الأرجح أنه موقوف، وليس هو من الأحاديث التي يمكن القطع بأنها في حكم المرفوع، لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاها من مسلمة أهل الكتاب، والله أعلم» (انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة (655)

قلت: هذا إن ثبت عن ابن عباس، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق محمد بن إسحاق عن أبان أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال .. فذكره معضلا، وابن إسحاق في رتبة أسامة في الحفظ أو أعلى، ولا سيما أن أسامة قد اختلف عليه ثقتان، فمن الواضح أنه لم يضبطه، فالصحيح الرواية المعضلة، وبهذا لا يصح الحديث مرفوعا ولا موقوفا، وتبين أن استغراب ابن حجر الشديد لمتنه كان في محله.

فائدة: قال الألباني: «ما أحسن ما روى الهروي في ذم الكلام (4/ 68/1) أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من [ضل] في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أُعين. قال: فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده. قال الهروي: فلم يستجز لأن يدعو بدعاء لا يرى إسناده».

ومثله في الحسن ما قال العلامة الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص140) بمثل هذه المناسبة: «وأقول: السنة لا تثبت بمجرد التجربة، ولا يخرج الفاعل للشيء معتقدا أنه سنة عن كونه مبتدعا، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل بسنة؛ وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجا».

انتهى ما نقله الألباني رحمه الله، ونستفيد من كلام ابن المبارك أنه كان لا يعرف صحة الحديث، وإلا لعمل به، فهذا تضعيف متقدم من أحد كبار الأئمة.

وورد عند ابن أبي شيبة (10/ 424) «حدثنا يزيد بن هرون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله قال: «إذا نفرت دابة أحدكم أو بعيره بفلاة من الأرض لا يرى بها أحدا فليقل أعينوني عباد الله فإنه سيعان».

وفيه محمد بن إسحاق موصوف بالتدليس وقد عنعن هذا الخبر من السند. وقد لمز محمود سيد ممدوح الألباني فقال «وأعله الألباني في ضعيفته2/ 109 بالاعضال وهو خطأ لأن أبان بن صالح من صغار التابعين» (رفع المنارة226).

قلت: وهذا جهل منه فقد وصف جماعة مراسيل هذه الطبقة بالإعضال قبل الألباني، منهم الذهبي حيث قال «من أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن. وأوهى من ذلك مراسيل الزهري وقتادة وحميد الطويل من صغار التابعين، وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي، فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين» (الموقظة40).

قلت: أبان بن صالح روى عن الزهري وعن الحسن، فهما من شيوخه فإذا كان هذا الحال بالمعضلات فكيف بمرسل من يروي عنهما؟