باب خدرت رجل ابن عمر فقيل له اذكر أحب الناس إليك قال يا محمد

  هذا مبحث قديم كنتُ قد كتبتُه حول هذا الحديث واستفدتُ في بعضه من الشيخ الفاضل: عبدالرحمن الفقيه (وفقه الله).


حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن سعد قال: "خدرت رجل ابن عمر، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: محمد".

رواه البخاري في (الأدب المفرد).

1) قلت: أبو إسحاق السبيعي مدلّس وقد عنعنه. قال بتدليسه: النّسائي، وابن حبان، كما أنه أُورِد في: (طبقات المدلّسين)، و(التبيين لأسماء المدلّسين)، وغيرها.

ويجبُ ملاحظة أن السبيعيّ اختلط بآخره، فليتنبّه لذلك من أراد النظر في رواية الأثر عن ابن عبّاس.

2) ضعّف العلامة الألباني -رحمه الله- الحديثَ في (ضعيف الأدب المفرد) برقم (964)، وتكلّم عليه في (تخريج الكلم والطيّب).

3) لو قلنا بأن الأثر صحيحٌ، حيث أنّ أحداً لم يصرّح بتدليس السبيعي في هذا الحديث بالذات، فإنه ليس فيه دليل على مطلب القائلين بجواز دعاء النبي الكريم بعد وفاته، لأنّ فعل ابن عمر هذا كان من قبيل العادات العربية وقتئذٍ، وليست له خلفيّة شرعيّة.

فقد كان من عادات العرب قبل الإسلام وبعده أنه إذا خدرت رِجل أحدهم أن يذكرَ اسم شخصٍ يحبّه حتى يزول الخدر، ظانّين أنّ ذلك نوع من العلاج يساعد في سريان الدم إلى الرجل المخدورة.

من ذلك قول الشاعر: رُبَّ مُحبٍ إذا ما رجله خدرت *** نادى كُبيْشة حتى يذهب الخدرُ

وقول أخر: أما تجزيَن من أيام مَرْء *** إذا خدرت له رجل دعاكَ؟

وقال ثالث: أَثيبي هائماً كَلِفاً مُعَنّى *** إذا خدرت له رجلٌ دَعاكِ

وفِعْل ابن عمر هو من هذا القبيل، من العادات المحضة، وليس من المشروع في نفسه.

فإن قال قائل: ما كان البخاري ليذكرَ الأثرَ في (الأدب المفرد) لولا دلالةً شرعيةً رآها فيه؟ (وهي من حجج الأحباش).

قلت: ليس كذلك، فإن البخاري (رحمه الله) أورد أحاديث كثيرة في (الأدب المفرد) من قبيل ذكر العادات الحسنة والآداب الرفيعة، مما ليس مشروعاً في نفسه.

من ذلك تبويبه بـ: (باب الرجل يكون في القوم فيبزق)، و(باب من أدلى رجليه إلى البئر إذا جلس وكشف عن الساقين)، و(باب الجلوس على السرير).

وهذه كلّها عادات وآداب وسلوكيّات لا أكثر.

4) ثمّ لو قلنا تجاوزاً أن فِعلَ ذلك مشروعٌ، فإنه ليس فيه الدلالة التي يرجوها الأحباش، لأنه يُحمل على أن ذكر الحبيب عند خدران الرجل هو من باب التداوي بالمشروع، أي أن النبي الكريم علّم ابن عمر وسيلةً للتداوي في حالة خدران الرجل.

فيكون المشروع حينئذٍ هو التداوي بذكر الحبيب، وليس دعاء الغائب والتوسّل به وطلب الغوث والمدد والإعانة منه.

وفي هذا ردٌّ على الروافض والأحباش والصوفية وغيرهم ممن يستدلّون بهذا الحديث على جواز قبوريّتهم.

والله أعلم.   

 

وقد حكم الأحباش على طرق هذه الرواية عند ابن السني «عمل اليوم والليلة» بالضعف بل وبالوضع أي الكذب فقالوا «ضعيف: ضعفه الألباني في الكلم» ثم قالوا مرتين «أبو إسحاق يدلس وقد عنعنه وقد اختلط» (عمل اليوم والليلة ص 64 تحقيق سالم بن أحمد السلفي ط: مؤسسة الكتب الثقافية).

فهاهم يحتجون بتضعيف الألباني للرواية ثم يأتينا منهم من يقول «ومن جملة تذبذبكم أن ضعفتم رواية ابن عمر في خدر الرجل» (مجلة منار الهدى 26/ 22).

فشهدوا على أنفسهم بضعف الرواية. وباختلاط السبيعي وتدليسه وأنه عنعن في هذه الرواية. لكن هذه الرواية الواهية توافق هواهم في دعوة الناس إلى الاستغاثة بغير الله، وهم لا يستطيعون مخالفة الهوى لأن أهل البدع أهل أهواء كما وصفهم السلف بذلك. ولأن اتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة، ولهذا اشتق لهم اسم مما غلب عليهم وهو الهوى.

ولنستعرض لكم الآن سند هذه الرواية عن ابن عمر: أما الروايات عند ابن السني فضعيفة بالاتفاق معهم. الرواية رقم (170) فيها محمد بن مصعب القرقسائي «ضعيف». قال عنه يحي بن معين: ليس بشيء لم يكن من أصحاب الحديث وكان مغفلاً وقال النسائي: ضعيف، وقال بن حبان: لا يجوز الاحتجاج به» (العبر للذهبي 1/ 279 وتهذيب التهذيب 9/ 458) وأما الرواية رقم (169) ففيها غياث بن ابراهيم «كذاب» «كان يضع الحديث» (لسان الميزان4/ 490 الكامل لابن عدي6/ 2036) والهيثم بن حنش مجهول العين، قال الخطيب في (الكفاية ص88) «المجهول عند أصحاب الحديث كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به» وذكر منهم الهيثم بن حنش.

وبقي الاختلاف حول الرواية التي عند البخاري في الأدب المفرد (964) حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك. فقال: محمد.

وهذه الرواية أصح سنداً من روايات ابن السني وغيره، وأفادت فوائد:

منها قول ابن عمر: محمد، بدون حرف النداء. ومنها؟ أن سفيان من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ وأما الروايات الأخرى فمردودة.

وفي الرواية أبو اسحاق السبيعي

تدليسه: وهو ثقة ولكنه مدلس، وقد عنعنه عن هذا المجهول، ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص101 ترجمة رقم (91) ط: دار الكتب العلمية وانظر كتاب التبيين لأسماء المدلسين لبرهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي ص160ترجمة رقم (58) وابن حبان والكرابيسى وأبو جعفر الطبري (تهذيب التهذيب8/ 66) قال شعبة «لم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث» (سير أعلام النبلاء5/ 398 تهذيب التهذيب8/ 65) يعني أنه كان يدلس. قال «ولم يسمع من أبي وائل إلا حديثين» (تهذيب التهذيب8/ 66) قال العجلي «والباقي إنما هو كتاب أخذه». وعدّ جماعة ممن روى عنهم ولم يأخذ منهم (تاريخ الثقات ص366 تحقيق عبد المعطي قلعجي) وذكره ابن الصلاح في مقدمته (ص353) في المدلسين والحافظ العراقي في التقييد (ص445) وابن حبان في الثقات (5/ 177) والحاكم في معرفة علوم الحديث (105) والنسائي (ميزان الاعتدال1/ 360) والعلائي في جامع التحصيل (ص108).

اختلاطه: ناهيك عن أنه قد اختلط، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبى شعبة (أو أبي سعيد) وتارة عن عبد الرحمن بن سعد. وهذا اضطراب يرد به الحديث. بل رماه الجوزجاني بالتشيع من رؤوس محدثي الكوفة، وعن معن قال «أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني للتدليس، وروى عن أناس لم يعرفوا عند أهل العلم إلا ما حكى هو عنهم. فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقف أولى» (تهذيب التهذيب 8/ 66).

نفي اختلاط السبيعي مردود

أما نفي الأحباش اختلاط أبي اسحاق السبيعى (مجلة منار الهدى26/ 22) واحتجاجهم بنفي الذهبي عنه الاختلاط:

ا) فقد أثبت الحافظ ابن حجر اختلاط أبى إسحاق السبيعي كما في التقريب وبرهان الدين الحلبي في رسالته الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط (تقريب التهذيب (639) وانظر مقدمة فتح الباري ص431 والاغتباط ص87 ترجمة رقم (85) ط: دار الكتاب العربي.

2) وأثبت ابن الكيال اختلاطه في كتابه الذي أسماه «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة» وقد حققه كمال الحوت ولم يعلق على إدراجه في جملة المختلطين (الكواكب النيرات ص 84 ط: دار الكتب العلمية).

3) وأثبت اختلاطه الحافظ ابن الصلاح، حكاه عنه ابن الكيال.

4) وحكى الجوزجاني أنه واحد ممن لا يحمد الناس مذاهبهم (أحوال الرجال79 (102).

5) أن الرواية التي جاءت من غير يا النداء أصح من هذه التي ورد فيها عدة علل أهمها الجهاله والاضطراب، وفيها من اختلف في توثيقه كالسبيعي، فإننا لو سلمنا في توثيقه فلن نسلم في تصحيح سند تضمن الجهالة والاضطراب.

تناقضهم في الاعتماد على الذهبي

أونسي الأحباش قول شيخهم في الذهبي أنه خبيث، ثم تعجب من الحافظ ابن حجر كيف سلّم له حكمه على الرجال بجرح أو تعديل؟ فكيف سلّمتم للذهبي في هذا الموضع وأعرضتم عن الحافظ ابن حجر الذي أثبت الاختلاط؟

أونسوا أن شيخهم انتقد الذهبي واتهمه بالتساهل في رواية الحديث وأنه يأتي بأحاديث غير ثابتة وآثار من كلام التابعين من غير تبيين من حيث الإسناد والمتن (إظهار العقيدة السنية 97) فكيف طرأ هذا التبديل في موقفهم حتى صار قول الذهبي مقدماً على قول الحافظ ابن حجر؟

وقد نهى شيخكم عن الأخذ بتصحيحات الحاكم إلا أن يوافقه الذهبي (قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في أسنى المطالب ص 573 بأن الحاكم متساهل في التصحيح ونقل عن المناوي تعقب الذهبي لكثير من تصحيحات الحاكم) غير أنه عند الحاجة إلى حشو الأدلة لإثبات بدعته يقدم الحاكم على الذهبي كما فعل في حديث «لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي .. » حيث تمسك بقول الحاكم «صحيح» وتجاهل تعقيب الذهبي عليه «بل موضوع»! أليس هذا كيلاً بمكيالين وتذبذبا في المنهج؟!

وإذا كانت شهادة الذهبي في السبيعي حجة عندكم:

فخذوا بشهادته في الرفاعية حيث شهد بأنه «قد كثر الزغل في طائفة الرفاعية، وتجددت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات» (العبر في خبر من غبر3/ 75).

وخذوا بشهادته في لعن من تخرج متطيبة إذ قال «ومن الأفعال التي تُلعَن عليها المرأة إظهار الزينة. .. وتطيبها بالمسك والعنبر» (الكبائر ص102 الكبيرة الثامنة والعشرون).

وخذوا بشهادته في ابن فورك أنه كان يقول «إن نبوة محمد (قد بطلت بعد موته وليس هو رسول الله» (سير أعلام النبلاء6/ 83 و17/ 216) لأن الصفة عرض والعرض لا يبقى زمانين. مع أنكم رفضتم شهادته في ابن فورك (مجلة منار الهدى44/ 53).

وإذا كان السبيعي عندكم عدلاً فخذوا بروايته «إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد» (رواه أحمد في السنة1/ 301 حديث رقم (585) فأثبتوا أن الله يجلس على العرش. أما نحن فنضعف كلا الروايتين.

وحين نفى الذهبي الاختلاط عن السبيعي أثبت له سوء الحفظ فقال «لما وقع في هرم الشيخوخة نقص حفظه وساء ذهنه وما اختلط» وفي لفظ آخر «شاخ ونسي ولم يختلط: وقد تغير قليلاً» ثم نقل عن الإمام الفسوي أن بعض أهل العلم قالوا: كان قد اختلط، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه (ميزان الاعتدال ترجمة رقم (5335 و 6393).

لكن لصوص النصوص بتروا نص الذهبي ولم يكملوا كلامه المثبت لسوء حفظ أبي إسحاق وتغيره، كل ذلك من أجل تعديل رواية تميل إليها أهواؤهم، وهذا ليس من الأمانة العلمية.

4) فشيخكم لا يرى الاحتجاج بحكم الذهبي، لكنكم مضطرون لفعل أي شيء يرجح صحة رواية ابن عمر فاحتججتم بالذهبي وتخليتم عن الحافظ ابن حجر وعما نقله عن نقاد آخرين تكلموا في أبي إسحاق كابن حبان والجوزجاني .. ومعلوم أنه من تُكُلمّ فيه بجرح وتعديل قدم الجرح على التعديل بشرط تبيين الجرح.

فهل لكم في روايات أصح سنداً من هذه لا خلاف حول قطعية أسانيدها كرواية عمر في العدول عن التوسل بالرسول (والتوسل بعمه العباس لحسم النزاع بيننا؟ إذ الرواية عن ابن عمر لم تصح. ونسبة ياء النداء ليست قطعية السند، فما هذه العقيدة التي لا تستند على القطعي بل تتمسك بكل متشابه؟ هل هذا إلا خُلُق الزائغين؟ أنظر كيف يشتغل هؤلاء بالضعيف والمكذوب من الحديث لمحض التشويش، ويكفرون مخالفهم لهذا المنهج المهترئ الذي يجتنب الصحيح الصريح ويتعلق بالموضوع والواهي والضعيف من الروايات.

الشيخان رويا للسبيعي

قد يقول قائل: ألست تقر بأن السبيعي من رجال الشيخين؟ فكيف تضعفه هنا؟

الجواب: أن السبيعي ثقة روى له البخاري ومسلم ولكنهما رويا لمن هو أوثق منه ما يخالف روايته، فتكون روايته شاذة – على فرض إفادتها جواز الاستغاثة بالنبي (بعد موته – لمعارضتها الرواية الأصح سنداً والمتفق على صحتها والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بدعاء النبي (بعد موته، وقد اجتمعت في رواية السبيعي عدة علل منها الاضطراب والتدليس والاختلاط، فلم لا يحكم عليها بعد ذلك بالشذوذ؟ لاسيما وأن الرواية المخالفة لها خالية من هذه العلل:

فليس من التجرد للحديث الميل إلى الرواية الأضعف لمجرد موافقتها المذهب.

فالسبيعي ثقة ولكنه مدلس ومختلط، وإذا ثبت عنعنته وتدليسه أو تخليطه أثناء روايته حكم بضعفها وقبل من رواياته ما تجرد عن الاختلاط والتدليس .. ومن كان ثقة ولكن بقيود فليس من الإنصاف أن يطلب منا توثيقه بإطلاق، فإن البخاري ومسلماً لم يرويا عنه «في صحيحيهما بإطلاق» بخلاف ما فعله البخاري في الأدب المفرد حيث لم يشترط فيه الاقتصار على الصحيح من الروايات.

أن الذين يعترضون على كلامنا في أبي إسحاق – مع توثيقنا له – يكيلون بمكيالين فإن شيخهم الكوثري قد طعن في سعيد بن أبي هلال وهو من رجال البخاري وطعنوا في عبد الله بن نافع.

أن طريقة الأحباش في العديد من الروايات هي رد الصحيح إذا جاء مخالفاً لمذهبهم: فقد رد شيخهم حديث الصوت وهو عند البخاري في صحيحه ولم يقبل سعيد بن أبي هلال في حديث الرجل وهو في صحيح البخاري، ولم يقبلوا حديث الجارية وطعنوا فيه وزعموا أنه مضطرب الإسناد وهو في صحيح مسلم، وردّوا حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن» المتفق على صحته برواية ضعيفة عند النسائي «إرحموا أهل الأرض».

وردوا حديث ابن عباس عند مسلم في طلاق الثلاث وحكم شيخهم على الرواية بالشذوذ، واقفاً منها موقف السبكي من رواية ابن عمر في حكم الشطرنج.

فلماذا الكيل بمكيالين؟ ومن الذي يتناقض؟ إنهم الأشاعرة المتفاخرون بعلم الكلام الذي يودي إلى الشك والريبة والتردد كما جاء في الفتح (13/ 350) للحافظ ابن حجر «وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد»، قال «وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدّوه ذريعة للشك والارتياب».

وحكى الغزالي في المنقذ من الضلال (ص14) تجربته الفاشلة مع علم الكلام فقال «لم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافياً .. ولم يكن من كلام المتكلمين إلا كلمات ظاهرة التناقض والفساد