باب  لا أشبع الله بطنه

عن بن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ? فتواريت خلف باب قال فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب وادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه» (رواه مسلم2603).

هذا الحديث مدرج عند مسلم تحت باب (من لعنه النبي (أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة).

ولذلك صدّر مسلم هذا الباب بقول النبي (: «اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لَعنتُه أو سببتُهُ فاجعله له زكاة وأجرًا» وفي رواية: «إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذتُ عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُه أو سببتُهُ أو جلَدتُه فاجعلها له كفارة وقربة». والاطلاع على الأبواب التي اندرجت تحتها الأحاديث مهم في فقه الحديث.

ولذلك قال النووي: «وأما دعاؤه على معاوية أن لا يُشبع بطنه حين تأخر ففيه جوابان: أحدهما: أن المراء ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجبٌ له، فيظهر له (استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك. وهو (مأمورٌ بالحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر. الثاني: أن هذا ليس بمقصود وإنما هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة، كقوله تَرِبَتْ يمينك و [ثكلتك أمك] وفي حديث معاوية: «لا أشبع الله بطنه» ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف (أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن (فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعّانًا ولا منتقمًا لنفسه، وقد قالوا له: ادعُ على دَوس فقال: «اللهم اهد دوسًا» وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» [شرح النووي على مسلم 8/ 387 - 390] أ. ه‍

رحم الله النووي وحشره مع أصحاب رسوله (بما ذبّ عن أعراضهم. وقال بمثل ذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه (تطهير الجنان ص37).

وإذا كان هذا موقفه (من قبيلة دوس وهم كفار: فما بالك بموقفه من المسلمين!

قال ابن حجر المكي: «وكان معاوية يكتب الوحي للنبي (وناهيك بهذه المرتبة الرفيعة» [تطهير الجنان 12].

وهؤلاء إذا ذُكِرَت أمامهم فضائل معاوية وأنه كان كاتب الوحي قالوا قد كان الربيع بن العاص من كتبة الوحي ثم ارتد على أعقابه. ما ضربوه إلا جدلاً (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ([الآية 58 من سورة الزّخرف] فإن معاوية لم يرتد.

بل قد بقي طيلة عهد الخلفاء الأربعة واليًا على الشام ولاّه خير البشر بعد الأنبياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان خليقا بالولاية جديرا بها. ومجرد ذمه يُعتَبَرُ ذمًّا موجها إلى الخلفاء الذين كانوا يرون فيه الأمانة والكفاية للولاية. قال الذهبي: «حسْبُك بمن يؤمِّره عمرُ ثم عثمانُ على إقليم (وهو ثغر) فيقوم بمهمته أتمَّ قيام ويُرضي الناس بسخائه وحلمه» [سير أعلام النبلاء 3/ 132].

قال ابن حجر الهيتمي: «وإذا تأملت عزل عمر لسعد بن أبي وقاص الأفضل من معاوية بمراتب، وإبقائه لمعاوية على عمله من غير عزل له: علمتَ بذلك أن هذه تنبئ عن رفعة كبيرة لمعاوية» [تطهير الجنان 21].

هذا الموقف من النووي وابن حجر واضح في أن التعرض لما جرى بين الصحابة وشجر بينهم والطعن في بعضهم ليس من منهج أهل السنة، ولو كان النووي وابن حجر يريان في معاوية ما يراه أعداء معاوية ما رأيا ضرورة توضيح هذه الآثار. ويكفينا أن نعلم أن الانحراف بدأ عند الشيعة بسبِّهم الصحابة وآل بعد ذلك إلى كمٍّ من الانحرافات كالقول بالمتعة والتقية واعتقاد التحريف في القرآن ورفض كتب الحديث كالبخاري ومسلم، فلنعتبر من ذلك الانحراف لنحذر من ازدياد الانحراف عند الأحباش فتنقسم بهم الأمة انقسامًا جديدًا ويحدث شرخ جديد بين المسلمين.

ومن فضائل معاوية التي لا يجوز نسيانها أنه فتح الشام كلها، ومنها لبنان وقبرص. ولولا ذلك لكان شاتموه اليوم إما يهودًا وإما نصارى، مع أن عبد الله المبارك اعتبرهما خيرًا من منكري علو الله، وقال عن الجهمية: شر من اليهود والنصارى. وأشار البخاري إلى هذا في خلق أفعال العباد، فكيف إذا أضيف إلى ذلك سب الصحابة والاعتكاف عند الأضرحة والحيل على الله وفتاوى السوء التي يستدرجون بها العوام نحو الرذيلة والفاحشة!.

الصحابة بشر وليسوا معصومين، وإذا كان الرسول (يقول: «إنما أنا بشر فأيما امرئ ساببته ... » مما يعتري النفس البشرية من ثورة وغضب مع أنه نبي، فحصوله من غير الأنبياء من باب أولى، وقد وقع بين الصحابة شجار وسباب لا يجوز أن يستغله الصائدون في الماء العكر ويجيرونه لتأييد عقائدهم الخبيثة، بل نسكت عما شجر بينهم، فإن ستر عورات الصحابة أولى من ستر عورات عامة المسلمين. والسباب من باب ما يقع للأقران مما يجب الإعراض عنه مثلما يحدث بين العلماء الأقران بين بعضهم البعض. وهو ليس شيئًا أمام القتال وقد تقاتلوا