باب فلم يبايعه علي حتى ماتت فاطمة ولا أحد من بني هاشم

رواه البيهقي في (السنن الكبرى6/ 300) عن الزهري من غير إسناد وقال «منقطع» وهذا معناه أن الزهري لم يسند هذا القول كما نص عليه الحافظ في الفتح (7/ 495). ورجح عليه الرواية الموصولة من طريق أبي سعيد أن عليا بايع أبا بكر بيعة ثانية مؤكدة للبيعة الأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث.

قال البيهقي بعد رواية هذا الحديث «سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه فقال هذا حديث يسوي بدنة فقلت يسوي بدنة بل هو يسوي بدرة». فانظر كيف أثنى مسلم صاحب الصحيح على الرواية.

وهذه الرواية مبطلة للرواية الأخرى الضعيفة وفيها «فلم يبايعه علي حتى ماتت فاطمة ولا أحد من بني هاشم».

قال البيهقي «وقول الزهري في قعود علي عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه حتى توفيت فاطمة رضي الله عنها منقطع وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في مبايعته إياه حين بويع بيعة العامة بعد السقيفة أصح ولعل الزهري أراد قعوده عنها بعد البيعة ثم نهوضه إليها ثانيا وقيامه بواجباتها والله أعلم» ().

ووجدت الرواية عند مسند أبي عوانة4/ 251) ومصنف عبد الرزاق5/ 472 وتاريخ الطبري2/ 236 من طريق: عبد الرزاق بن همام: قال البخاري «يهم في بعض ما يحدث به» (ترتيب علل الترمذي المبير ورقة 37). وحكى العجلي أنه ثقة لكنه كان يتشيع (الثقات 847).

وقد جاءت الرواية من طريق الدبري عن عبد الرزاق وهو إسحاق بن إبراهيم الدبري. قال الذهبي «روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة» بل وصفه بالرفض وقلة الحياء (ميزان الاعتدال2/ 273).

وقد استنكر ابن الصلاح أحاديث رواها الدبري عن عبد الرزاق بن همام وأحال سبب نكارتها إلى الدبري لوجود التردد في سماعه من عبد الرزاق (ميزان الاعتدال4/ 345).

وهذه الرواية مردودة بما رواه الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح جدا عن أبي سعيد الخدري.

جاء عند الحاكم في المستدرك:

4457 حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد بن شاكر ثنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ثم لما توفي رسول الله ? قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله ? كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله ? كان من المهاجرين وإن الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ? فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال أما لو ذلك لما صالحناكم ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه فقال ناس من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله ? وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله ? فبايعه ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاؤوا به فقال: ابن عمة رسول الله ? وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال مثل قوله لا تثريب يا خليفة رسول الله ? فبايعاه هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» (سنن البيهقي8/ 143 مستدرك الحاكم3:76).

سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه فقال هذا حديث يسوي بدنة فقلت يسوي بدنة بل هو يسوي بدرة» (سنن البيهقي8/ 143 تاريخ دمشق30/ 278).

والبدرة هي التي تبدر بالنظر ويقال هي التامة كالبدر، ويقال ما كان يعد من منحة كيس فيه عشرة آلف (لسان العرب).

ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (2/ 554 ح رقم1292) ورواه الحافظ ابن كثير وقال «وهذا إسناد صحيح محفوظ وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب: إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه» البداية والنهاية (5/ 248).

ورواه ابن عساكر (تاريخ دمشق30/ 278).

ملاحظة: وقد يسأل سائل ماذا عن قول عائشة فيما رواه البخاري أن عليا لم يكن بايع من قبل.

فالجواب: أن عائشة رضي الله عنها روت ما انتهى إليه علمها.

والقاعدة العلمية تنص على أن المثبت الصدوق مقدم على النافي الصدوق وكلاهما صادق.

والحافظ ابن حجر علق على رواية (فلم يبايعه علي حتى ماتت فاطمة ولا أحد من بني هاشم)

رواه البيهقي في (السنن الكبرى6/ 300) عن الزهري من غير إسناد وقال «منقطع» وهذا معناه أن الزهري لم يسند هذا القول كما نص عليه الحافظ في الفتح (7/ 495). ورجح عليه الرواية الموصولة من طريق أبي سعيد أن عليا بايع أبا بكر بيعة ثانية مؤكدة للبيعة الأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث.

فماذا نفعل في هاتين الروايتين المتعارضتين؟ عائشة تنفي وهي الصديقة أم المؤمنين بنت الصديق. وأبو سعيد صحابي عدل لا يكذب. وقد صحت الرواية إليه. فالتوفيق ما قدمنا وهو أن المثبت الصدوق مقدم على النافي الصدوق. لأن المثبت معه زيادة علم. وغاية ما عند النافي هو ما تناهى إليه علمه. إذن فرواية أبي سعيد تثبت علما لم يتناه إلى عائشة رضي الله عنها.

وقد وقع مثل هذا لعائشة رضي الله عنها. فإنها نفت أن يكون الرسول ? بال قائما. حتى قالت: من حدثك أن رسول الله بال قائما فاتهمه على الكذب. مع أن مسلما قد روى عن حذيفة أنه كان مع الرسول ? فرآه يبول قائما.

إن اشتغال علي بفاطمة وانقطاعه عن الناس هو الذي جعل كثيرين يظنون أنه لم يبايع أصلا ولهذا قرر أن يبايع بيعة أخرى مؤكدة للبيعة الأولى كما صرح الحافظ وأسند لذلك رواية موصولة عن الزهري قدمها على تلك الرواية منقطعة الاسناد التي تقول بأن عليا لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة.