باب سألت أبي عن الرجل يمس منبر رسول الله يتبرك بمسه وتقبيله

سألته عن الرجل يمس منبر النبي ? ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال لا بأس بذلك» (العلل ومعرفة الرجال2/ 492).

هذا يتعارض مع ما رواه الأثرم وهو ثقة أخذ عن أحمد مباشرة «الفقيه الحافظ صاحب أحمد بن حنبل (تهذيب الكمال1/ 476). «ثقة حافظ» (تقريب التهذيب1/ 84).

قال ابن الأثرم: «رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي (يقومون من ناحية فيسلّمون» (المغني 3/ 559 الفروع 2/ 573 وفاء الوفا 4/ 1403). قال ابن حجر الهيتمي: فتعارضت الروايتان عن أحمد.

ثم إن الحافظ ابن حجر العسقلاني ذكر أن بعض أصحاب أحمد قد استبعدوا ذلك [فتح الباري 3/ 475. وفاء الوفا 4/ 1404].

وشكك ابن حجر الهيتمي في هذه الرواية عن أحمد أيضاً، وذكر أن بعض أصحاب أحمد استبعدوا ذلك. وقرينة ذلك ما رواه عنه الأثرم من أنه سئل عن جواز لمس قبر النبي (والتمسح به فقال: ما أعرف هذا [حاشية لهيتمي على شرح الإيضاح في المناسك 454].

قال: ويؤيد ذلك ما جاء في مغني الحنابلة: «من أنه لا يستحب التمسح بحائط القبر ولا تقبيله».

وجاء سبب هذا النهي في المغني «لأن فيه إفراطاً في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الأصنام ولأن الصلاة عند القبور أشبه بتعظيم الأصنام بالسجود ولأن ابتداء عبادة الأصنام كان في تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها» [نفس المصدر والصفحة. وكلام صاحب المغني إنما يفهم منه عدم الجواز لا مجرد الكراهة (المغني 2/ 507 - 508 ط: مكتبة الرياض الحديثة 1981]. قال ابن حجر الهيتمي: فتعارضت الروايتان عن أحمد.

فهذه الرواية عن أحمد متعارضة مع ما ثبت عن أحمد من عدم جواز ذلك

قال أحمد «أهل العلم كانوا لا يمسونه».

ولهذا قال المرداوي: «ولا يستحب التمسح بالقبر على الصحيح من المذهب» (الإنصاف4/ 53).

ويتعارض أيضا مع مواقف السلف ممن لم يثبت عنهم التبرك بالقبر لا سيما وأن فتنة الناس كانت ولا تزال في القبر.

كذب الرافضة أن الوهابية أو المانعين

وقال محسن الأمين العاملي الشيعي: «ومنع الوهابية تعظيم القبور وأصحابها والتبرك بها من لمس وتقبيل لها ولأعتاب مشاهدها وتمسح بها وطواف حولها» (كشف الارتياب عن أتباع محمد بن عبد الوهاب429).

من السلف

- رأى عمر قوماً يتناوبون مكاناً يصلّون فيه «فقال: ما هذا؟ قالوا مكانٌ صلى فيه رسول الله قال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا. من أدركته فيه الصلاة فليصلّ وإلا فليمض» (أخرجه ابن وضاح القرطبي في كتاب البدع والنهي عنها 41 واللفظ له وابن أبي شيبة في المصنف 2/ 376 وقال الألباني "رواه سعيد بن منصور في سننه وابن وضاح بإسناد صحيح على شرط الشيخين، انظر تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي ص49 ووفاء الوفا للسمهودي 4/ 1412]

- «وبلغه أن أناساً يأتون الشجرة التي بويع عندها النبي (فأمر بها فقُطِعَتْ» [قال الحافظ في الفتح (7/ 448) إسناده صحيح).

- قال يحيى بن معين: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي (. رواه أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه والحافظ الذهبي أن ابن عمر كان يكره مس قبر النبي ([قال الشيخ شعيب الأرناؤوط "رجاله ثقات" (سير أعلام النبلاء 12/ 373)].

- وقول عمر للحجر الأسود «ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» (كتاب الروايتين والوجهين 1/ 214).

الأحناف:

قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 320): «وكره أبو حنيفة البناء على القبر، والكراهة إذا أطلقت فهي للتحريم. وقد صرح بالتحريم ابن الملك من الأحناف».

الشافعية:

قال الشاطبي الشافعي «وقد ترك (بعده أبا بكر وعمر وهما خير هذه الأمة وخير ممن يوصف الناس بعدهم بالأولياء ولم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح أن متبركاً تبرك به على النحو الذي يفعله العامة في المشايخ من لمس الجسد والثياب، فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء» (الاعتصام2/ 8).

قال النووي «وقال الإمام محمد بن مرزوق الزعفراني – وكان من الفقهاء المحققين – في كتابه (في الجنائز): ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله. قال: وعلى هذا مضت السنة. قال أبو الحسن: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعاً ينبغي تجنب فعله ويُنهى فاعله».

وقال أبو موسى الأصفهاني في كتاب [آداب الزيارة]: وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون: «المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلاً وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه فإن ذلك من عادة النصارى. قال: وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن مع استحباب استلام الركنين الآخرين: فلأنْ لا يستحب مس القبور أولى والله أعلم» [المجموع شرح المهذب ص 5/ 311].

وقال الغزالي: «ولا يمس قبراً ولا حجراً فإن ذلك من عادة النصارى» وقال أيضاً: «فإن المس والتقبيل للمشاهد من عادة اليهود والنصارى» (إحياء علوم الدين1/ 259 و4/ 491).

وذهب الجويني إلى تحريم من الأشاعرة إلى تحريم شد الرحال إلى القبر كما حكاه عنه النووي وابن حجر العسقلاني والزبيدي [النووي على مسلم 9/ 106 و168 فتح الباري 3/ 65 إتحاف السادة المتقين 4/ 286]. وذكر السبكي أن الجويني كان ينقل عن شيخه الفتوى بمنع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة وأنه حرام، وهو الذي أشار إليه القاضي حسين والقاضي عياض في اختياره [شفاء السقام 121 - 122]. ونقل السبكي قول القاضي بأن وفاء النذر يلزم لمن نذر شد الرحال إلى المساجد الثلاث «بخلاف غيرها مما لا يلزم، ولا يلزم شد الرحال إليها لا لناذر ولا لمتطوع بهذا النهي إلا ما ألحقه محمد بن مسلمة من مسجد قباء» [شفاء السقام 124].

المالكية

وفي الشفاء للقاضي عياض عن مالك قال: «لا أرى أن يقف عند قبر النبي (ولكن يسلم ويمضي» وروى ابن وهب عنه أنه قال: «ويدنو ويسلم ولا يمس القبر» قال الشيخ ملا علي القاري الحنفي معلقاً: «لأن ذلك من عادة النصارى» [شرح الشفا 2/ 152].

وقال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل: «قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ( ... لا يمس القبر بيده [المدخل 1/ 261 ط: دار الفكر]. ووصف من يطوفون بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة ويتمسح به ويقبله بالجهال الذين لا علم عندهم وصرح بأن ذلك كله من البدع: «لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له (» [المدخل 1/ 256 – 257].

وذكر القرافي أن التقبيل والاستلام خاصان بالكعبة (الذخيرة3/ 381).

ومسألة التبرك بآثار النبي (لا خلاف فيها والأدلة فيها ثابتة، والمنبر داخل فيها إن شاء الله، مع ما قدره الله من إحراق المنبر. ولكن التبرك بالقبر شيء آخر لم يفعله الصحابة، وقد عرفت أنه كان أول أسباب الشرك عند قوم نوح.

قال الحافظ «وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك». وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته [فتح الباري 8: 668 – 669].

قال ابن قدامة في المغني: «ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي (ولا تقبيله قال أحمد: ما أعرف هذا. قال ابن الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي (يقومون من ناحية فيسلّمون» [المغني 3/ 559 الفروع 2/ 573 وفاء الوفا 4/ 1403].

وكان أحمد ينهى عن البناء على القبور ويقول: «رأيت الأئمة يأمرون بهدم ما يُبنى [كشاف القناع 2/ 139]. وكان أحمد يرى بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور.

وفي غاية المنتهى لمرعي بن يوسف الحنبلي «كره رفع قبر فوق شبر وتجصيصه وتقبيله ... وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر. ونقل عن ابن القيم: يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أُسِّسَت على معصية الرسول .. قال: وحرم إسراج القبور وكذا الطواف بها وجعل مسجد عليها وبينها وتتعين إزالته» [269 – 270 ط: المؤسسة السعيدية – الرياض].

وروى القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: «قبر النبي (يُمَسّ ويُتَمسّح به؟ قال: ما أعرف هذا. قيل له: فالمنبر؟ قال: نعم قد جاء فيه. وقيل له: إن من أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون ويقومون ناحية فيسلمون. قال: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل».

علّق القاضي قائلاً: «وهذه الرواية تدل على أنه ليس بسنة وضع اليد على القبر». وذكر القاضي بأن طريقة التقرب إلى الله تقف على التوقيف، واحتج بقول عمر للحجر الأسود «ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» (كتاب الروايتين والوجهين 1/ 214)