باب كتب رسول الله إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير يموت

فمات وكتاب رسول الله في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً.

هكذا روي الأثر، لا كما قالوا: (على قبره مسجداً)، وقوله: (عند) لا يلزم منه أن يكون عليه، بل قد يكون القبر في ناحية والمسجد في الناحية الأخرى وبينهما جدار وحاجز أو طريق واسع ويقال هذا عند هذا، ولا يلزم منه أن يكون في حريم القبر وفنائه، وقد جاء في البخاري: عن عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئكِ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئكِ شرار الخلق عندالله يوم القيامة» (متفق عليه).

فتلك الكنيسة كانت على القبر تحيط به من كل ناحية كالأضرحة الموجودة الآن، فالبناء على القبور محرم.

وأما كون المسجد عندها، بمعنى قربها لكن بفاصل من طريق ونحوه، لا بكونه ضمن سورها أو ناحية قبلتها فذلك لا يظهر فيه بأس.

ثم إن الأثر مرسل أرسله الزهري، والمرسل من أنواع الضعيف فلا يحتج به، وأبو جندل استشهد في خلافة عمر رضي الله عنه، وعلى ذلك فليس في الأثر جواز البناء على القبور، ولو فرضنا جدلاً أن الصحابي فعل ذلك فلا يقر عليه، وليس في الأثر أن النبي أقره كما زعموا، كما أن النبي لم يقر حديثي العهد بكفر على اتخاذ ذات أنواط، جاء في حديث أبي واقد الليثي: «خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله: الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل: (إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون)، لتركبن سنن من كان قبلكم».

فانظر كيف جعل عليه الصلاة والسلام اتخاذ الشجرة للتبرك كاتخاذ إله آخر، وهو مثل ما يقوله هؤلاء عن القبور وتعظيم الموتى يتبين لك خطر هذه الدعوة.

فكل حديث فيه تعظيم شأن القبر بالبناء عليه وتزيينه والتعبد عنده فهو حديث ضعيف أو موضوع مثل: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». فهذا حديث مفترى لم يروه أحد من أهل العلم، ولايوجد في شئ من الكتب المعتمدة. والله أعلم