باب  مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح

..

 

وقبل كل شيء أود التذكير بتضعيف محدث العصر الشيخ الألباني لهذا الحديث كما في (الروض النضير ص953 وضعيف الجامع الصغير5/ 131 حديث رقم5251 وسلسلة الأحاديث الضعيفة ح رقم4503) فإنه من العلماء الأجلاء المتأخرين الذين اطلعوا بتوسع على أقوال العلماء المتقدمين في الجرح والتعديل والحكم على الأحاديث.

وقد نبه الألباني على مراوغة عابد الحسين (وليس عبد الله) وأنه «لا يتكلم على أسانيد التي تدعم مذهبه بل يسوقها كلها مساق المسلمات المصححات من الأحاديث إن لم يشعر القارئ بصحتها كما فعل هنا بقوله (صحيحة المستدرك) فضلا عن أنه لا يحكي عن أئمة الحديث ما في أسانيدها من طعن ومتونها من نكارة».

أضاف «ثم رأيت الخميني قد زاد على عبد الحسين في الافتراء فزعم في (كشف الأسرار ص171) أن الحديث من الأحاديث المسلمة المتواترة. ويعني بقوله (المسلّمة) أي: عند أهل السنة. ثم كذب مرة أخرى كعادته فقال: وقد ورد ذلك في أحد عشر حديثا من طرق أهل السنة» (سلسلة الأحاديث الضعيفة المجلد العاشر القسم الأول ص 5 - 11 حديث رقم 4503).

والحديث أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد9/ 168) وأوضح أن في اسناده عبد الله بن داهر والحسن بن أبي جعفر وهما متروكان.

وقاله الهيثمي. وهو مروي من ثلاث طرق عن أبي ذر:

الطريق الاول: فيه المفضل بن صالح الأسدي أبو جميلة. قال الذهبي «ضعفوه» (المستدرك2/ 343 والكاشف3/ 170) وقال البخاري وابن أبي حاتم «منكر الحديث» قال ابن حجر في (التقريب رقم6855) «ضعيف».

الطريق الثاني: عند الطبراني وفيه عبد الله بن داهر. قال الذهبي وابن الجوزي وغيرهما «رافضي ضعفوه» (المغني في الضعفاء 1/ 337 الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي1/ 337 ميزان الاعتدال4/ 92 الكامل في الضعفاء4/ 228).

الطريق الثالث: عند الطبراني وفيه الحسن بن أبي جعفرالجفري. قال البخاري «منكر الحديث» (2/ 288 ترجمة رقم2500).

ذكر البزار في مسنده (9/ 343) أن فيه الحسن بن علي (أبي جعفر) الجفري وأنه لم يتابع.

واعتبر في تهذيب الكمال أن أنكر ما روى المفضل بن صالح عن الحسن بن علي هذا الحديث (28/ 411).

وذكر أبو نعيم في (الحلية4/ 306) هذا الحديث وحكم عليه بالغرابة والغرابة تطلق على الضعيف.

وذكر ابن عدي في (الكامل في الضعفاء2/ 306) هذا الحديث في سياق ترجمة الحسن هذا بعد أن قدم له بطعن أهل العلم فيه وتضعيفهم له مما يؤكد ضعف هذه الرواية عنه.

قال الهيثمي عنهما «متروكان» (مجمع الزوائد9/ 168).

والحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال «حديث صحيح» ولكن تعقبه الذهبي قائلا «فيه المفضل بن صالح ضعفوه» وقد ذكر المناوي في (فيض القدير5/ 517) تعقب الذهبي على الحاكم وسكت عليه مما يشعر موافقته للذهبي في الحكم.

والحاكم متساهل في التصحيح ولهذا لزم تعقب أهل العلم لكتابه لكثرة ما عرف عنه من التساهل. وكم من مرة يصحح حديثا ويزعم أنه على شرط الشيخين فيتعقبه أهل العلم قائلين: بل موضوع.

ونذكر من أهل العلم ممن نبه على تساهله على سبيل الإجمال:

الحافظ ابن الصلاح الذي وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به» (علوم الحديث ص18).

قال النووي الشافعي «الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرارا» (المجموع شرح المهذب 7/ 64).

قال الحافظ ابن حجر أن الحاكم «ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها» (لسان الميزان5/ 233). وذكر مثالا لذلك في نكته على ابن الصلاح وهي أنه أخرج حديثا فيه عبد الرحمن بن أسلم وبعد روايته قال عنه «صحيح الإسناد» مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء: «عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة .. فهؤلاء ظهر عندي جرحهم».

قال الذهبي «يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة ويكثر من ذلك» (ميزان الاعتدال3/ 608).

قال الزيلعي الحنفي «الحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة» (نصب الراية1/ 360).

قال اللكنوي الحنفي الهندي «وكم من حديث حكم عليه الحاكم بالصحة وتعقبه الذهبي بكونه ضعيفا أو موضوعا: فلا يعتمد على المستدرك للحاكم ما لم يطالع معه مختصره للذهبي» (الأجوبة الفاضلة ص161).

تخريج الشيخ الألباني لحديث مثل أهل بيتي

4503 مَثَلُ أهل بيتي؛ مَثَلُ سفينةِ نُوحٍ؛ من ركبها نجا، ومن تَخلّف عنها غَرِق.

ضعيف. روي من حديث عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي ذر، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك.

1 - أما حديث ابن عباس: فيرويه الحسن بن أبي جعفر عن أبي الصَّهباء عن سعيد بن جبير عنه. أخرجه البزار (2615) كشف الأستار (والطبراني في المعجم الكبير (1/ 160/3)، وأبو نعيم في (الحلية306/ 4) وقال:

«غريب من حديث سعيد، لم نكتبه إلا من هذا الوجه». وقال البزار «لا نعلم رواه إلا الحسن، وليس بالقوي، وكان من العُبَّاد». وقال الهيثمي في (المجمع: (168/ 9) «رواه البزار، والطبراني، وفيه الحسن بن أبي جعفر؛ وهو متروك».

قلت: وهو ممن قال البخاري فيه «منكر الحديث».

ذكره في الميزان وساق له من مناكيره هذا الحديث.

وشيخه أبو الصهباء - وهو الكوفي – لم يوثقه غير ابن حبان.

2 - أما حديث ابن الزبير: فيرويه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه. أخرجه البزار. (2612).

وعبد الله بن لهيعة ضعيف؛ لسوء حفظه.

3 - وأما حديث أبي ذر: فله عنه طريقان:

الأولى: عن الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه.

أخرجه الفسوي في (معرفة التاريخ538/ 1)، والطبراني في) المعجم الكبير2636/ 34/3)، وكذا البزار (2624/ 222/3) وقال «تفرد به ابن أبي جعفر». قلت: وهو متروك؛ كما تقدم.

وعلي بن زيد وهو ابن جُدعان: ضعيف.

والأخرى: «عن عبد الله بن داهر الرازي: ثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حَنَشِ بن المعتمر أنه سمع أبا ذر الغفاري به».

أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير ص78) وقال: «لم يروه عن الأعمش إلى عبد الله بن عبد القدوس».

قلت: هو – مع رفضه - ضعفه الجمهور؛ قال الذهبي في (الميزان) «قال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال يحيى: ليس بشيء، رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف».

قلت: والراوي عنه عبد الله بن داهر الرازي شرٌّ منه؛ قال ابن عدي «عامة ما يرويه في فضائل علي، وهو متهم في ذلك».

قال الذهبي عقبه: «قلت: قد أغنى الله عليًّا عن أن تقرر مناقبه بالأكاذيب والأباطيل».

والحديث؛ قال الهيثمي:

«رواه البزار والطبراني في (الثلاثة)، وفي إسناد البزار: الحسن بن أبي جعفر الجُفرِي، وفي إسناد الطبراني: عبد الله بن داهر، وهما متروكان»!

قلت: لكنهما قد توبعا؛ فقد رواه المُفَضَّل بن صالح عن أبي إسحاق به.

أخرجه الحاكم (343/ 2) و (150/ 3) وقال «صحيح على شرط مسلم». وردّه الذهبي بقوله: «قلت: مفضل خرّج له الترمذي فقط، ضعفوه».

وقال في الموضع الآخر «مفضل واه».

قلت: يعني: ضعيف جدًّا؛ فقد قال فيه البخاري «منكر الحديث». وقال ابن عدي «أنكر ما رأيت له: حديث الحسن بن علي».

قلت: سقط نصه من (الميزان). ولفظه في منتخب كامل ابن عدي (1/ 396) «عن الحسن بن علي قال: أتاني جابر بن عبد الله وأنا في الكُتّاب، فقال: اكشف لي عن بطنك، فكشفت له عن بطني، فألصق بطنه ببطني، ثم قال: أمرني رسول الله ? أن أُقرئك منه السلام».

قلت: وهذا عندي موضوع ظاهر الوضع، وهو الذي قال ابن عدي: إنه أنكر ما رأى له. فتعقبه الذهبي بقوله «وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر»!

قلت: فمتابعته مما لا يستشهد بها.

على أن فوقه أبا إسحاق وهو السبيعي وهو مدلس مختلط.

وحنش بن المعتمر؛ فيه ضعف، بل قال فيه ابن حبان: «لا يشبه حديثه حديث الثقات».

ورواه الفسوي من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل حدثه حنش به.

ثم رأيت للحديث طريقًا ثالثًا: يرويه عبد الكريم بن هلال القُرَشي قال: أخبرني أسلم المكي: ثنا أبو الطفيل:

أنه رأى أبا ذر قائمًا على هذا الباب وهو ينادي: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب، ألا وأنا أبو ذر، سمعت رسول الله ? يقول ... فذكره.

4 - وأما حديث أبي سعيد الخدري: فيرويه عبد العزيز بن محمد بن ربيعة الكِلابي: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقرئ عن أبي سلمة الصائغ عن عطية عنه.

أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير ص170) وقال: «لم يروه عن أبي سلمة إلا ابن أبي حماد، تفرد به عبد العزيز بن محمد بن ربيعة».

قلت: ولم أجد من ترجمه. وكذا اللذان فوقه. وعطية - وهو العوفي - ضعيف. وقال الهيثمي: «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم».

5 - وأما حديث أنس: فيرويه أبان بن أبي عياش عنه. أخرجه الخطيب (12/ 91). قلت: وأبان هذا متروك متهم بالكذب.

وبهذا التخريج والتحقيق؛ يتبيَّنُ للناقد البصير أن أكثر طرق الحديث شديدة الضعف، لا يتقوى الحديث بمجموعها.

ويبدو أن الشيخ صالح المقبلي لم يكن تفرغ لتتبعها وإمعان النظر فيها؛ وإلا لم يَقُل في كتابه (العلم الشامخ ص250) «أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي ذر. وكذلك الخطيب وابن جرير والطبراني عن ابن عباس وأبي ذر أيضًا، والبزار من حديث ابن الزبير. وحكم الذهبي بأنه «منكر» غير مقبول؛ لأن هذا المحمل من مدارك الأهواء!.

فأقول: نعم! وللتعليل نفسه؛ لا يمكن القول بصحته لمجموع طرقه؛ لأن الشرط في ذلك أن لا يكون الضعف شديدًا، كما هو مقرر في علم الحديث، وليس الأمر كذلك كما سبق بيانه. وظني أن الشيخ – رحمه الله - لو تتبع الطرق كما فعلنا لم يخالف الذهبيَّ في إنكاره للحديث. والله أعلم.

ومما يؤيد قول المقبلي «أن المحملَ من مدارك الأهواء» أن هذا الحديث عزاه الشيخ عبد الحسين الموسوي الشيعي في كتابه (المراجعات ص23) طبع دار الصادق (للحاكم من حديث أبي ذر المتقدم (3)، موهمًا القراء أنه صحيح بقوله:

أخرجه الحاكم بالإسناد إلى أبي ذر ص (151) من الجزء الثالث من صحيحة (!) المستدرك!

وهو – كعادته – لا يتكلم على أسانيد أحاديثه التي تدعم مذهبه، بل إنه يسوقها كلها مساق المسلّمات المصحّحات من الأحاديث؛ إن لم يشعر القارئ بصحتها كما فعل هنا بقوله: ((صحيحة المستدرك))! فضلاً عن أنه لا يحكي عن أئمة الحديث ما في أسانيدها من طعن، ومتونها من نكارة.

وقد خطر في البال أن أتتبع أحاديثه التي من هذا النوع وأجمعها في كتاب؛ نصحًا للمسلمين، وتحذيرًا لهم من عمل المدلِّسين المُغرِضين، وعسى أن يكون ذلك قريبًا. ثم رأيت الخُمَينيَّ قد زاد على عبد الحسين في الافتراء؛ فزعم ص (171) من كتابه (كشف الأسرار) أن الحديث من الأحاديث المسلَّمة المتواترة!!

ويعني بقوله (المسلَّمة) أي: عند أهل السنة! ثم كذب مرة أخرى كعادته، فقال: «وقد ورد في ذلك أحد عشر حديثًا عن طريق أهل السنة!». ثم لم يسق إلا حديث ابن عباس الذي فيه المتروك؛ كما تقدم