أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها شربت بول النبي

هذه القصة المفتراة على الصحابية أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها شربت بول النبي

هذه القصة المفتراة على الصحابية أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد اشتهرت وانتشرت هذه القصة، خاصة في هذه الأيام، حيث قامت بنشرها العديد من الصحف، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- جريدة «عين» في يوم (24/5/2007) (ص3) تحت عنوان: «هل يعتذر المفتي للنبي؟»
جاء فيه: «هل ثبت أن أحدًا من الصحابة تبرك ببول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل تصدق أن فضيلة الدكتور علي جمعة أجاب: نعم».

السؤال ورد في كتاب بعنوان «الدين والحياة الفتاوى العصرية اليومية»، يقول المفتي بالنص: «نعم، أم أيمن شربت بول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها:
«هذه بطن لا تجرجر في النار» لأن فيها جزءًا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أحب عرف، ومن عرف

اغترف، ويكون التبرك بلعابه الشريف، أو بعرقه الشريف، أو بشعره الشريف، أو ببوله الشريف، أو بدمه الشريف، فكل من عرف حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف، كما لا تأنف الأم من غائط ابنها، فما بالك بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحبه أكثر من حبنا

لآبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فمن أنف أو تأنف من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليراجع إيمانه».
اهـ.

قلت: هذه هي الفتوى التي جاءت فيها قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم وتناولتها الصحف بالنشر بين همز ولمز، وبين من يريد أن يقف على حقيقة هذه القصة.

2- ونشرت جريدة «الدستور» في عددها (114) (23/5/2007) (ص5) تحت عنوان: «الفتاوى تمهد الطريق أمام الهوس الديني» جاء فيها: «فوضى الفتاوى من «إرضاع الكبير» إلى «بول الرسول»

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

وجاء فيها أيضًا:

«أما ما فعلته دار الإفتاء المصرية في سياق ردها على «فتوى البول» أنها أصدرت بيانًا أكدت فيه على أن طهارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن محل إجماع بين الأمة، مشيرة إلى أن البعض يرى أن هذه الطهارة لجميع الأنبياء». اهـ.

3- ونحن أمام هذه المسائل لا نسلك مسلك الصحف التي تريد زعزعة المسلمين عن مؤسساتهم، ولكن نقدم للقارئ الكريم بحوثًا علمية حديثية حتى يقف على حقيقة هذه القصة دون أن نتعرض لأي شخص أو مؤسسة بشيء من همز أو لمز.

وهذه هي غايتنا التي أُسست عليها من أول يوم هذه السلسلة، سلسلة «تحذير الداعية من القصص الواهية».

وإلى القارئ الكريم التخريج والتحقيق لهذه القصة: «قصة شرب أم أيمن بول النبي صلى الله عليه وسلم».

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

أولاً: المتن:

رُوي عن أم أيمن أنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة من جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشى فشربت ما في الفخارة وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أم أيمن قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها».
قلت: قد والله شربت ما فيها، قالت: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «أما أنك لا يفجع بطنك بعده أبدًا».

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ثانيًا: التخريج:

هذا الحديث الذي جاءت به هذه القصة أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/63) كتاب: «معرفة الصحابة»- باب: «ذكر أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته». قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا عبد الله بن روح المدايني، حدثنا شبابة، حدثنا أبو
مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة.... الحديث.

وأخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (2/158) قال: حدثنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة بن سوّار، حدثنا أبو مالك النخعي به.

وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (25/85) في سند أم أيمن أم أسامة بن زيد مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح (230) قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثني أبو مالك النخعي به.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ثالثًا: التحقيق:

هذا الحديث الذي جاءت به هذه القصة الواهية «لا يصح»، وعلته أبو مالك النخعي واسمه: عبد الملك بن الحسين.
1- قال الإمام النسائي في «الضعفاء والمتروكين» ترجمة (383): «عبد الملك بن الحسين أبو مالك النخعي: متروك». اهـ.

قلت: وهذا المصطلح عند الإمام النسائي له معناه، ولقد بينه الإمام الحافظ ابن حجر في «شرح النخبة» (ص191) حيث قال: «ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه».

2- وأورده الإمام الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» ترجمة (363) وقال: «عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي، عن البصريين والكوفيين».

قلت: هذا كل ما قاله الإمام الدارقطني في أبي مالك النخعي، فيتوهم من لا دراية له بمنهج الدارقطني في كتابه هذا أن الدارقطني قد سكت عنه ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، ولكن هيهات، حيث إن مجرد ذكر الإمام الدارقطني لأبي مالك النخعي يدل على أن هناك إجماعًا على تركه، يتبين ذلك مما جاء في مقدمة كتاب «الضعفاء والمتروكين» للدارقطني، حيث قال الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي

البرقاني: طالت محاورتي مع أبي منصور إبراهيم بن الحسن بن حَمكان لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني عفا الله عني وعنهما في «المتروكين من أصحاب الحديث» فتقرر بيننا وبينه على ترك من أثبته على حروف المعجم في هذه الورقات. اهـ.

3- أورده الإمام ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/2/347، 5/347/1641) قال: «عبد الملك بن الحسين أبو مالك النخعي سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث».

وقال: سألت أبا زرعة عن أبي مالك النخعي فقال: ضعيف الحديث.

وقال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: «أبو مالك النخعي ليس بشيء».

4- وأورده الإمام ابن عدي في «الكامل» (5/303، 479/1447) وقال: حدثنا علان، حدثنا ابن أبي مريم، سألت يحيى بن معين عن أبي مالك فقال: «ليس بشيء».

ثم قال: سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: عبد الملك بن الحسين أبو مالك النخعي ليس بالقوي عندهم.

5- وقال الإمام ابن حبان في «المجروحين» (2/134): عبد الملك بن الحسين بن أبي الحسين النخعي أبو مالك: من أهل واسط، كان ممن يروي المقلوبات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به فيما وافق الثقات، ولا الاعتبار فيما لم يخالف الأثبات. اهـ.

قلت: ثم أخرج من طريق ثالث تخريج الإمام يحيى بن معين لأبي مالك النخعي فقال: أخبرنا الحنبلي قال: حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: أبو مالك النخعي: ليس بشيء.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

قلت: وقول الإمام ابن معين في أبي مالك النخعي: «ليس بشيء» من مراتب التجريح الشديد الذي يطلقه ابن معين على الكذابين أو المتروكين، وهذا ظاهر بالقرائن من أقوال أئمة الجرح والتعديل كما بينا من قول الإمام النسائي والإمام البرقاني والإمام ابن خمكان والإمام الدارقطني وغيرهم.

6- وأورده الإمام البخاري في كتابه «الضعفاء الصغير» ترجمة (219) وقال: «ليس بالقوي عندهم».
7- وأورده الإمام الذهبي في «الميزان» (2/653/5198) ونقل أقوال أئمة الجرح والتعديل في عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي وأقرها.

8- وأورده الحافظ ابن حجر في «التهذيب» (12/240/1006) وقال: أبو مالك النخعي الواسطي اسمه عبد الملك بن الحسين، ثم نقل أقوال الأئمة قائلاً: قال عمرو بن علي: ضعيف منكر الحديث، وقال الأزدي والنسائي: متروك الحديث. ثم أقوال بقية

الأئمة التي ذكرناها آنفًا.

قلت: يتبين من هذا التحليل أن أبا مالك النخعي واسمه عبد الملك بن الحسين أجمع الأئمة على تركه كما هو مذهب النسائي، وتبين أنه متروك منكر الحديث ليس بشيء، وعلى ذلك فالقصة: «قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم» قصة واهية، والسند الذي جاء به حديث القصة تالف، وأن القصة مفتراة على أم أيمن.

قُلْتُ: فليحذر هؤلاء الذين يتكلمون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم من تخريج وتحقيق، فقد أخرج الإمام البخاري في «الصحيح» (ح109) في أول ثلاثي وقع في البخاري حيث قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة

قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
فلم يثبت عن أم أيمن رضي الله عنها أنها شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم

أنه قال لها: «هذه بطن لا تجرجر في النار»، ولا يصح التأويل لأن التأويل فرع التصحيح كما قال علماء الحديث، ولم يصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما بينا آنفًا.
فلا يؤول بأن البطن لا تجرجر في النار، أو لا تفجع لأن فيها جزءًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو البول، بل أدى الغلو الناتج عن اعتقاد صحة هذه القصة المنكرة إلى إصدار

إفتاء بطهارة بول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في سياق الرد على «فتوى شرب البول» بإصدار بيان يؤكد على أن طهارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن محل إجماع بين الأئمة،
وهذه الفتوى التي تدافع عن هذه القصة الواهية «قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم» فتوى مردودة بما ثبت في السنة الصحيحة المطهرة.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

1- فقد بوَّب الإمام البخاري في «صحيحه» في كتاب الوضوء بابًا بعنوان: «وضع الماء عند الخلاء» (ح143) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فوضعت له وَضوءًا قال: «من وضع هذا؟» فأخبر فقال: «اللهم فقه في الدين».

وأخرجه كذلك الإمام مسلم (ح2477) فالحديث متفق عليه.

2- وبوَّب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء بابًا بعنوان: «الاستنجاء بالماء» (ح150) قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: حدثنا شعبة عن أبي معاذ واسمه عطاء بن أبي ميمونة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم

إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني يستنجي به».
قلت: هذا ما استبان لنا من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا ندعها لقول أحد من الناس.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

رابعًا: الإجماع الأول:

نقل الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين» (1/6): قال الشافعي: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس».

خامسًا: البعد عن التقليد:

كذلك نقل الإمام ابن القيم الإجماع الثاني، قال أبو عمر وغيره من العلماء:

«أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله».
قال الإمام ابن القيم: «فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء».

فالأمر بالنسبة للقصة بحث علمي حديثي مبني على التخريج والتحقيق لا تعصب ولا تقليد، وأمام هذه الفتنة نقول كما قال السلف: «سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل
السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدعة فيترك حديثهم». (مقدمة مسلم).

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
سادسًا: «طيب عرق النبي صلى الله عليه وسلم»:

نحن نثبت ما أثبتته السنة الصحيحة المطهرة، فقد أخرج مسلم (ح2331) كتاب الفضائل (ح83)
باب: طيب عرقه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس قال:

دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من القيلولة) عندنا، فعرق، وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: «يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟» قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من
أطيب الطيب. اهـ.
{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


سابعًا: ريق النبي صلى الله عليه وسلم:

أخرج البخاري في صحيحه (ح4210)، ومسلم (ح2406) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم
يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه،
فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله
فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعم». اهـ.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


هذا من القصص الصحيحة على سبيل المثال لا الحصر في عرق النبي صلى الله عليه وسلم وريق النبي صلى الله عليه وسلم

فهي من دلائل النبوة نؤمن بها لثبوتها بالسنة الصحيحة المطهرة، وننكر كل حديث منكر ثبتت نكارته بالبحوث العلمية الحديثية.

فلسنا غلاة: نقلد تقليدًا أعمى جريًا وراء أصحاب القصص الواهية لإطراء نبينا،
ولسنا جفاة: نتعصب لقوم اتبعوا أهواءهم فأنكروا دلائل النبوة الثابتة لنبينا بالسنة المطهرة.
فقد أخرج البخاري في «صحيحه» (ح3445) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».

وإن شاء الله سنواصل الحديث لتمييز الخبيث من الطيب.
هذا ما وفقني الله إليه وهو وحده من وراء القصد.

الرد السوى على من قال بشرب بول النبى صلى الله عليه وسلم


نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على
حقيقة هذه القصص التي جاءت في شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد بينا في الحلقة السابقة من
«تحذير الداعية من القصص الواهية» أن قصة شرب الصحابية أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم
والتي جاءت في كتاب «الفتاوى المعاصرة» للدكتور علي جمعة- مفتي الجمهورية- هي
قصة واهية وسندها شديد الضعف لا يصلح للمتابعات ولا الشواهد كما هو ظاهر من
تخريج وتحقيق طرق القصة التي أخرجها الإمام الطبراني في «الكبير»، وأبو نعيم في
«الدلائل»، والحاكم في «المستدرك»، وأكد هذا مجمع البحوث الإسلامية:

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

أولاً: رفض مجمع البحوث الإسلامية:


لقد نشرت جريدة «الأهرام» في عددها (44008 بتاريخ 3/6/2007م)،

في الصفحة الأولى:
«مجمع البحوث الإسلامية يرفض فتوى التبرك ببول الرسول جملة وتفصيلاً،
حيث جاء تحت هذا العنوان أن مجمع البحوث الإسلامية في جلسته أمس تناول فتوى
الدكتور علي جمعة - مفتي الجمهورية وعضو المجمع- التي أصدرها بخصوص جواز التبرك
بشرب بول النبي صلى الله عليه وسلم وتضمنها كتابه «الفتاوى المعاصرة»،
وأكد رفضه الفتوى جملة وتفصيلاً، وجاء في الجريدة أن هذا الرفض للفتوى دعا الدكتور علي جمعة مفتي
الجمهورية إلى سحب جميع نسخ كتابه المتضمنه تلك الفتوى وغيرها من الأسواق، حيث
سيقوم بحذف هذه الفتوى، ومراجعته مرة أخرى وطرحه في الأسواق من جديد».
{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ثانيًا: إصرار المفتي وفتوى دار الإفتاء:

ولكن لم تمر إلا عدة أيام حتى نشرت جريدة «الجمهورية» في عددها (19520) بتاريخ
22 جمادى الأولى 1428هـ- الموافق 8/6/2007م)
تحت عنوان «المفتي مصمم على فتوى
البول، ويصف معارضيه بالغوغائية:
«علي الجمعة: الرسول سوبرمان... وليس بشرًا عاديًا». ثم جاء تحت هذا العنوان أن الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية أكد أمس إصراره على فتوى البول رغم مناقشات مجمع البحوث الإسلامية معه على جلستين
ساخنتين انتهت بإعلان المجمع اعتذار المفتي وسحب الكتاب المتضمن الفتوى من
الأسواق، ثم جدد المفتي إصراره على الفتوى وقال: إن الرسول بشر لكن جسمه ليس
كأجساد البشر، وكذلك فضلاته، فهو سوبرمان إن صح التعبير». اهـ.

ونشرت جريدة «الدستور» في عددها (144 - ص5): «أما ما فعلته دار الإفتاء المصرية
في سياق ردها على «فتوى البول» أنها أصدرت بيانًا أكدت فيه على أن طهارة رسول
الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن محل إجماع بين الأمة، مشيرة إلى أن البعض يرى أن هذه
الطهارة لجميع الأنبياء». اهـ.

ثالثًا: رد التنازع بين المؤسستين إلى الكتاب والسنة الصحيحة.
قلت: وهذا التنازع بين هاتين المؤسستين: مجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء
]
يوقد نار فتنتها العلمانيون، والشيعة الرافضة لإطفاء نور السنة، ونحن أمام هذه
الفتنة فتنة التنازع نردها إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء: 59).

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ولقد حَكَّمْنَا هذه الآية في بحثنا في العدد السابق حول هذا التنازع والذي
بينا فيه أننا لسنا غلاة:

نقلد تقليدًا أعمى جريًا وراء أصحاب القصص الواهية
لإطراء نبينا صلى الله عليه وسلم، ولسنا جفاة: نتعصب لقوم اتبعوا أهواءهم فأنكروا دلائل النبوة
الثابتة لنبينا صلى الله عليه وسلم بالسنة المطهرة،
ولقد بينا على سبيل المثال لا الحصر من دلائل النبوة الثابتة: قصة عرق النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة ريق النبي صلى الله عليه وسلم، مما هو ثابت في السنة
الصحيحة المطهرة، خلافًا لمن أنكرها من الجفاة بعيدين كل البعد أيضًا عن الغلاة
الذين غلوا في مدحه إلى حد اعتقاد أنه أول خلق الله، وأنه نور عرش الله، وأنه
الذي خلقت الأشياء جميعًا من أجله، بل إلى حد اعتقاد أن الوجود كله بعض فيضه،
وأن علم اللوح والقلم قبس من علمه،

كما يقول شاعرهم المسمى بـ«البوصيري»:فَإِنَّ مِنَّ جُودِكَ الدنيا وَضَرَّتَها
وَمِنَ عُلُومِكِ عِلْمُ اللوحِ والقلمِ

ونحن لا نغلو في بول النبي صلى الله عليه وسلم، فنثبت له ما لم نثبت ولا يصح مما نُسِب إليه صلى الله عليه وسلم
بأنه قال لمن شرب بوله:
«هذه بطن لا تجرجر في النار»، وتمسك فضيلة المفتي بقصة
واهية بينا بطلانها في العدد الماضي، ولكن فضيلة المفتي - عفا الله عنا وعنه -
لم يحقق القصة ليبين عوارها، ولكن اكتفى في ثبوتها عنده بقوله في كتابه
«الفتاوى العصرية»: «نعم، أم أيمن شربت بول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: «هذه بطن لا
تجرجر في النار» لأن فيها جزءًا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحب عرف ومن عرف
اغترف». اهـ. كما بينا آنفًا.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قلت: وهذا الكلام من فضيلة المفتي لا تثبت به قصة واهية - قصة «شرب أم أيمن
لبول النبي صلى الله عليه وسلم»- وهو بعيد كل البعد عن الصناعة الحديثية ولا يقول به إلا
الطرقية، وهذا ما يطلقه أئمة هذا الفن على مثل هذه القصص الواهية كما في
«الميزان» (2/545/4804): «يقولون فلان أتى بخبر باطل - وهو شبه وضع الطرقية».
اهـ.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رابعًا: الرد المفحم السديد على من افترى على مجلة التوحيد:

لقد أثبتنا بطلان قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم، هذه القصة التي جاءت في فتوى
فضيلة المفتي، وقمنا بإثبات بطلانها من غير همز ولا لمز، كما يقتضيه أدب البحث
العلمي، وهذا ما أقره مجمع البحوث الإسلامية، وكل مَن له دراية بالصناعة
الحديثية.

ولكن جاءت بعض الردود على مجلة التوحيد الغراء من بعض الطرقية بالهمز واللمز
قائلة: «أين الأمانة العلمية يا مجلة التوحيد؟» وجعل هذا الهمز واللمز عنوانًا
للرد.

وسأبين - إن شاء الله - من خلال بحثنا هذا من غير همز ولا لمز- كما عودنا
القارئ الكريم- أن صاحب هذا الرد ومن وراءه ما هم إلا نقلة يجمعون ما جاء على
(الكمبيوتر) حول شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم كجمع أي إنسان عادي لا دراية له بهذا العلم
ولا بالصناعة الحديثية، ولذلك جمع قصصًا واهية منكرة مضطربة يخيل إليه من
تجميعه إياها أنها ثابتة، حتى غره هذا الصنيع إلى أن قال: «وهذا تخريج عمومًا
سيقف الجميع أهديه للأخ حشيش عله يرجع أو يتوب».

قلت: انظر كيف سولت له نفسه أن يأمرنا همزًا ولمزًا بالتوبة والرجوع.
نقول له ولمن وراءه من الطرقية: إلى أي شيء نرجع؟ أنرجع إلى المنكر الباطل
المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ أم إلى أي شيء نرجع، أنرجع إلى تخريج لا يشم رائحة التحقيق ؟
أم إلى أي شيء نرجع ؟ أنرجع إلى تقميش بغير تفتيش ؟ إِنَّا للَّـهِ وَإِنَّا
إِليه رَاجعون.
وإلى القارئ الكريم تقميش(1) هذا القماش الذي قمشه في ثماني صفحات والرد عليه:
خامسًا: ما قمشه حول قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم:
1- جمع هذا القماش ما جاءت فيه هذه القصة من حديث أبي مالك النخعي عند الحاكم
في «المستدرك»، وأبي نعيم في «الحلية»، والطبراني في «الكبير» في أكثر من عشرين
سطرًا، ثم نقل: «وهذا السند ضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/271) بأبي مالك
النخعي، ثم قلد هذا القماش الهيثمي وقال: متفق على ضعفه».
قلت: وعبارة الهيثمي في «المجمع»: «رواه الطبراني وفيه أبو مالك النخعي وهو
ضعيف». اهـ.
قلت: وهذا التقميش لا يصلح ؛ وزلت بسببه أقدام في مثل هذا القول عن الهيثمي
رحمه الله: «ضعيف» من غير تحقيق بالرجوع إلى أئمة الجرح والتعديل لمعرفة درجة
هذا الضعف ؛ حيث يتوهم من لا درية له أن قول الهيثمي في الراوي: «ضعيف» يجبر إذ
جاء له طريق آخر.
وهذا ما فعله هذا القماش ليثبت قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم.
2- درجة ضعف أبي مالك النخعي:
لقد بينت أقوال أئمة الجرح والتعديل في أبي مالك النخعي في الحلقة السابقة:
الإمام الدارقطني، والإمام البرقاني، والإمام ابن حمكان، والإمام يحيى بن معين،
والإمام ابن حبان، والإمام النسائي، وتبين أنه (متروك ليس بشيء).
ليتبين لهذا القماش الذي لا دراية له بهذه الصناعة أن هذا الطريق لا يصلح له
متابعات ولا شواهد، ولا يصلح أن يكون متابعًا أو شاهدًا، فلا يغتر بما أورده من
متابعات وشواهد فهي تزيد قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم وهنًا على وهن كما هو مقرر عند
علماء هذا الفن.
3- قاعدة:
قال الإمام ابن كثير في «اختصار علوم الحديث»: «قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من
ورود الحديث من طرق متعدة أن يكون حسنًا لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول
بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه متبوعًا أو متبوعًا كرواية الكذابين
والمتروكين».
4- وبتطبيق هذه القاعدة على قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم:
أ- نجد أن القصة واهية لما فيها من المتروكين (أبو مالك النخعي).
ب- وأن ضعفها ضعف شديد لا يزول بالمتابعات.
5- ثم أورد هذا القماش طريقًا آخر لقصة أم أيمن؛ ظنًا منه أنه سيكون متابعًا
ولا يدري أن القصة لا يصلح لها متابع.
وإلى القارئ الكريم هذا الطريق، قال:
«الثاني: طريق الحسين بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن
أم أيمن.
أ- قال: جاء في «تاريخ دمشق» (4/303) ما نصه: أخبرتنا أم المجتبى فاطمة بنت
ناصر، قالت: قرئ على إبراهيم بن منصور السلمي، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ،
أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا سلم بن قتيبة عن الحسين
بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت: كان لرسول
الله فخارة يبول فيها... القصة.
ب- ثم نقل عن ابن كثير في «البداية والنهاية» (5/326): «وقال الحافظ أبو يعلى،
حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا سلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب، عن يعلى
بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة
يبول فيها... القصة».
جـ- ثم نقل عن ابن حجر في «الإصابة» (8/171) أنه قال: «وأخرج ابن السكن من
طريق: عبد الملك بن حصين، عن نافع بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن
قالت: كان للنبي فخارة يبول فيها... القصة».
قلت: وهذه النقول كما في (أ، ب، جـ) أكبر دليل على التقميش وإلا فأين التفتيش،
بل أين التحقيق في هذه الأسانيد التي يزعم أنها طريق ثان لقصة شرب أم أيمن لبول
النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعله ما هو إلا تجميع كمبيوتر، وهو ما يسمى «القص واللصق».
سادسًا: التحقيق لهذا الطريق:
بمقارنة ما أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» بما أورده ابن كثير في «البداية
والنهاية»:
1- نجد أن ما أورده ابن كثير هو نفس طريق ابن عساكر في «تاريخ دمشق».
2- ونجد الاضطراب الشديد الذي لم يتنبه إليه هذا القماش أو يُنَبَّه عليه.
أ- «تاريخ دمشق» فيه: «سلم بن قتيبة، عن الحسين بن حريث عن يعلى بن عطاء».
ب- «البداية والنهاية» فيها: «سلم بن قتيبة، عن الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء،
انظر إلى الاضطراب في «تاريخ دمشق» الراوي عن يعلى بن عطاء هو (الحسين بن
حريث)، وفي البداية والنهاية» الراوي عن يعلى بن عطاء هو (الحسين بن حرب) مع أن
السند واحد... فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟
3- والأعجب من هذا أنه عنون لما نقله من «تاريخ
دمشق» و«البداية والنهاية» و«الإصابة» بأنه الطريق الثاني: طريق الحسين بن حريث
عن يعلى بن عطاء عن الوليد عن أم أيمن فإن كانت مهمة هذا القماش التقميش لا
التفتيش حتى يتبين له هذا الاضطراب.
نقول له حتى العنوان الذي ذكرت فيه الطريق فسنده تالف مردود بالسقط:
أ- فالحسين بن حريث الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزي: قال فيه الحافظ في
«التقريب» (1/175): «من العاشرة».
قلت: والعاشرة: من طبقة الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين.
ب- أما يعلى بن عطاء العامري، ويقال: الليثي الطائفي: قال فيه الحافظ في
«التقريب» (2/378): «من الرابعة».
قلت: والرابعة: هي من طبقة التابعين كذا في مقدمة «التقريب» (1/5).
جـ- إذن هذا الطريق تالف مردود بالسقط لطبقة كاملة هي طبقة (أتباع التابعين).
د- لذلك نجد أن الحافظ المزي في «تهذيب التهذيب» (20/466) لم يذكر الحسين بن
حريث فيمن روى عن يعلى بن عطاء بل ذكر أبا مالك النخعي المتروك الذي روى قصة
شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم.
هـ- وبهذا يتبين أن الطريق الثاني الذي اعتمد عليه هذا القماش طريق ساقط مردود،
لم يزد الطريق الأول: طريق أبي مالك النخعي إلا وهنًا على وهن.
4- أما الحسين بن حرب الذي جاء في «البداية والنهاية» فليس هو الحسين بن حريث
صاحب الطريق الذي اعتمد عليه القماش، ولكنه تقميش من غير تفتيش كما بينا آنفًا.
والحسين بن حرب أورده الحافظ الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (8/37/4089)
وقال: «الحسين بن حرب والد أبي عبيد بن حربويه القاضي، سمع أبا عبيد القاسم بن
سلام ومحمد بن عمران بن أبي ليلى، وعمر بن زرارة الحدثي روى عنه ابنه أبو
عبيد». اهـ.
أ- أبو عبيد القاسم ابن سلام أورده الحافظ ابن حجر في «التقريب» (2/117)
وقال: «من العاشرة لم أر له حديثًا مسندًا» أي من طبقة الآخذين عن تبع الأتباع
وهو شيخ الحسين بن حرب فكيف يروي الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء الذي بينا
آنفًا أنه من التابعين.
ب- وكذلك شيخه محمد بن عمران بن أبي ليلى من العاشرة. كذا في «التقريب»
(2/197).
جـ- لم يذكر فيه الخطيب جرحًا ولا تعديلاً.
د- لم يرو عنه إلا راوٍ واحد هو ابنه أبو عبيد.
من هذا التحليل يتبين أن الحسين بن حرب لم يرو عنه إلا راوٍ واحد ولم يوثق فهو
مجهول العين.
وبدراسة الطبقات يتبين أنه لم يرو عن يعلى بن عطاء كما بينا وكذلك بالرجوع إلى
«تهذيب الكمال» (20/466) في معرفة الراوة الذين رووا عن يعلى بن عطاء، وإلى
«تاريخ بغداد» في معرفة الرواة الذين روى عنهم الحسين بن حرب، يتبين أنه لم يرو
عنه.
وبهذا يصبح سند القصة من طريق الحسين بن حرب مردودًا بالسقط في الإسناد والطعن
بجهالة العين التي لا يصلح معها متابعات.
5- أما ما نقله عن ابن حجر في «الإصابة» (8/171): «وأخرج ابن السكن من طريق عبد
الملك بن حصين عن نافع بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن. قلت: وهذا
من التقميش فأين هذا الطريق الذي جاء في «الإصابة» من الطريق الذي عنون له:
طريق الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن، ومع
هذا فالسند الذي أخرجه ابن السكن سند تالف مظلم.
أ- فنافع بن عطاء لا يعرف وليس ممن روى عن الوليد بن عبد الرحمن.
ب- وعبد الملك بن حصين لا يعرف.
قلت: فكل ما أورده هذا القماش تحت الطريق الثاني يبين أن هذا الطريق أيضًا تالف
مردود ساقط بالسقط والجهالة والاضطراب ولا يزيد الطريق الأول إلا وهنًا على
وهن.
الاستنتاج: نستنتج من هذا البحث العلمي وتحليل الأسانيد التي جاءت في الطريقين
أن قصة شرب أم أيمن لبول النبي صلى الله عليه وسلم قصة واهية منكرة.
فأين الأمانة العلمية يا صاحب التقميش... ألم يأن لك أن ترجع أو تتوب.
القصة الثانية
قصة شرب بركة لبول النبي صلى الله عليه وسلم
رُوِيَ عن أميمة بنت رُقْيقَة قالت: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قَدَح من عَيْدان يبول فيه
ويضعه تحت السرير، فجاءت امرأة يقال لها بركة قدمت مع أم حبيبة من الحبشة،
فشربته، فطلبه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجده، فقيل: شربته بركة. فقال لها: «لقد احتظرت من
النار بحظار». اهـ.
أولاً: التخريج:
أخرج الحديث الذي جاءت به هذه القصة: الطبراني في «المعجم الكبير» (24/189)
(ح477)، واليبهقي في «السنن الكبرى» (7/67) (ح13184)، وابن أبي عاصم أبو بكر
الشيباني في «الآحاد والمثاني» (6/121) (ح3342)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»
(69/50)، والمزي في «تهذيب الكمال» (35/156)، وابن عبد البر في «الاستيعاب»
(4/356) كلهم من طريق: «حجَّاج بن محمد، عن ابن جريج، عن حكيمة بنت أميمة، عن
أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عَيْدان...» القصة.
قلت: أورد القماش خذا في الرد في أكثر من ثلاثين سطرًا تقميشًا لا تحقيق فيه ؛
ليثبت شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم في نقل لا يشم فيه رائحة الصناعة الحديثية.
ثانيًا: التحقيق:
وهذه القصة أيضًا واهية:
1- سند القصة غريب غرابة مطلقة، حيث لم يروها إلا أميمة بنت رقيقة ولم يروها عن
أميمة إلا ابنتها حُكيمة تفرد عنها ابن جريج.
2- حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة قال عنها الإمام الذهبي في «الميزان» (4/606):
«حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة تفرد عنها ابن جريج». اهـ.
قلت: وقال الحافظ في التقريب (2/595): «حكيمة بنت أميمة: لا تعرف». اهـ.
وقال الحافظ في «مقدمة التقريب» (1/5): «من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق وإليه
الإشارة بلفظ: مجهول».
قلت: بهذا يتبين أن حكيمة بنت أميمة لم يرو عنها إلا راوٍ واحد هو ابن جريج
تفرد عنها ولم توثق لذلك فهي مجهولة جهالة عين التي تجعلها لا تصلح للمتابعات
والشواهد كما هو مقرر عند أهل الصناعة الحديثية وحكم عليها الحافظ بأنها لا
تعرف. فالسند تالف مظلم.
3- والحديث الذي جاءت به هذه القصة «مضطرب المتن».
أ- فعند الطبراني في «المعجم الكبير» (24/189) (ح477) وغيره ممن ذكرنا فى التخريج آنفًا:

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



«فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت بها من أرض الحبشة: أين
البول الذي كان في القدح؟ قالت: شربته. فقال: «لقد احتظرت من النار بحظار».
اهـ.

ب- وعند الطبراني في «المعجم الكبير» (24/205) (ح527) بنفس الطريق طريق حجاج بن
محمد عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة.

«فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أين القدح؟» قالوا: شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت
معها من أرض الحبشة».

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد احتظرت من النار بحظار». اهـ.
جـ- بالمقارنة نجد الاضطراب: هل التي شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم هي بركة التي كانت تخدم
أم حبيبة جاءت بها من أرض الحبشة أم هي برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض
الحبشة.

د- اختلاف لا يمكن الجمع بينه.
هـ- والطريق واحد غريب غرابة مطلقة لم يأت عزيزًا عِزَّةً مطلقة، أو مشهورًا
شهرة مطلقة، حتى يمكن ترجيح رواية على أخرى.

فالسند تالف مظلم بما فيه من جهالة والمتن منكر مضطرب.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



و- وزاد هذا الاضطراب اضطرابًا ما نقله الحافظ ابن حجر في «الإصابة»
(8/169/11898) عن ابن السكن أن بركة خادم أم حبيبة كانت تكنى أيضًا أم أيمن
أخذًا من هذا الحديث.
ثالثًا: ادعاء ورد
لما كان المعترض لا دراية له بهذا التحقيق المبني على الأصول راح يدعي التفتيش
المبني على القص واللصق أن الدارقطني صحح قصة شرب بركة لبول النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً عن
عبد الحق الأشبيلي.

ولم يدر هذا القماش أن العلامة المناوي في «فيض القدير» (5/178) قال: وتعقبه
ابن القطان بأن الدارقطني لم يقض فيه بصحة ولا ضعف والخبر متوقف الصحة على
العلم بحال الرواية، فإن ثبتت ثقتها صحت روايتها، وهي لم تثبت.
وفي «اقتفاء السنن»: هذا الحديث لم يضعفوه، وهو ضعيف، ففيه حكيمة، وفيها جهالة، فإنه لم يرو
عنها إلا ابن جريج ولم يذكرها ابن حبان في الثقات». اهـ.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



قلت: وحتى لو وثقها ابن حبان فقد أورد الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمة «تمام
المنة في التعليق على فقه السنة» خمس عشرة قاعدة: قال في «القاعدة الخامسة»:
«عدم الاعتماد على توثيق ابن حبان»: «إن المجهول بقسميه لا يقبل حديثه عند
جمهور العلماء، وقد شذ عنهم ابن حبان فقبل حديثه». اهـ.
قلت: ولقد طبقنا القواعد العلمية الحديثية عند الجمهور واستبان منها أن القصة
واهية ومنكرة.


{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رابعًا: دلائل أخرى على نكارة القصة:

جاء في قصة «شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم»:
أ- «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره».
ب- «قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة من جانب البيت فبال فيها».
قلت: ووضع البول في قدح أو فخارة تحت السرير منهي
عنه.
فقد أخرج الإمام الطبراني في «المعجم الأوسط» (3/51) (ح2098) بسنده عن بكر بن
ماعز قال: سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينقع بول في طسْت في

البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول ينقع ولا تبولن في مغتسلك». اهـ.
وأورده الحافظ المنذري في «الترغيب والترهيب» (1/136) وقال: «رواه الطبراني في
«الأوسط» بإسناد حسن والحاكم، وقال صحيح الإسناد».


لذلك أورده الشيخ الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (1/136) (ح147)،وقال
الإمام السيوطي في «زهرة الربى على المجتبى» (1/32- سنن النسائي) عن حديث كان
للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره»، وقال الشيخ ولي الدين يعارضه

ما رواه الطبراني في«الأوسط» بإسناد جيد من حديث عبد الله بن يزيد مرفوعًا.
قلت: وقصة وضع بول النبي تحت سريره صلى الله عليه وسلم وشربه لم تصح، وهذا الحديث يظهر نكارته، فلا يمكن الجمع بالتأويل بينهما كما هو مقرر في علم «مختلف الحديث»، فهذه هي
الأمانة العلمية التي تعرفها الصناعة الحديثية لا التقميش المبني على القص
واللصق.

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

خامسًا: شاهد

حاول البعض أن يثبت قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم فنقل عن بعض المحققين حول بول النبي صلى الله عليه وسلم،
قوله: «وللحديث شاهد من حديث عائشة بسند صحيح أخرجه النسائي وغيره».
قلت: ولقد فرح أصحاب التقميش وظنوا أنهم على شيء من قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم،

ولكن
هيهات، وإلى القارئ الكريم تحقيق هذا الشاهد:

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

التخريج للشاهد:

أخرج النسائي (ح33) عن عائشة قالت: «يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى عَلِيٍّ، لقد
دعا بالطست ليبول فيها، فانخنثت نفسه وما أشعر فإلى
من أوصى؟ اهـ.

قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي. قال: أخبرنا أزهر قال: أخبرنا ابن عون عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة به.

وأخرجه الإمام البخاري (ح4459) قال: حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرني أزهر به،
وكذلك (ح2741)، وفيه عن عائشة: «وقد كنت مسندته إلى صدري فدعا بالطست».

{C}{C}{C}{C}{C}{C}نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


قلت: بمقارنة حديث عائشة بما أوردناه آنفًا من أحاديث قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم نجد
أنه:1- يوجد شاهد لجملة: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح يبول فيه ويضعه تحت سريره، يجمع فيه
البول كما هو ظاهر من روايات هذه القصة الواهية الساقطة بالمجهولين والمتروكين
والتي لا
يصلح لها متابعات ولا شواهد».

2- ولا يوجد شاهد لجملة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم، فعائشة لم تشربه.
3- ولا يوجد شاهد لجملة: «لقد احتظرت من النار بحظار».
4- ولا يوجد شاهد لجملة: «أما أنك لا يفجع بطنك بعده أبدًا».

قلت: وهذا الشاهد لا يصلح أن يكون شاهدًا للقصة بحال من الأحوال لأن القصة لا
يصلح لها شواهد حيث جاءت من رواية المتروكين والمجهولين جهالة العين كما هو
متفق عليه عند علماء الصنعة.

ولكنه دليل على جواز البول في الإناء عند الضرورة كما في الحديث: «فانحنثت نفسه» أي: مالت: ذاته الشريفة وانكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت.
وفي لفظ البخاري: «وإني لمسندته إلى صدري فدعا بالطَّسْتِ». اهـ.


قلت: هذا ما وفقني الله إليه من البحوث العلمية الحديثية، والتي تبين منها أن
قصة شرب بول النبي صلى الله عليه وسلم واهية، وأن جميع طرقها لا تخلو من المتروكين أو المجهولين،
وأنها لا تصلح للمتابعات والشواهد، بل كل طريق يزيد القصة وهنًا على وهن فضلاً
عن المتن ونكارته».

والله تعالى أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه سالمًا من الرياء والخطل. ونعوذ بالله
تعالى من المضللين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

هامش:1- القمش: جمع الشيء من ههنا وههنا، وكذلك التقميش، وقمشه يقمشه قمشًا: جمعه.
كذا في «لسان العرب» (6/338)، وهذا نفسه جمع الشيء من على الكمبيوتر.

مجلة التوحيد