باب من عادى لي وليا .. فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به

الحديث بطوله «من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن دعاني لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» (رواه البخاري).

هذا الحديث مفسر بالحديث الآخر «فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي». وفي حديث أنس ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا.

فمعنى الحديث إذن أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله فلا يسمع إلا لله ولا يبصر إلا لله أي ما شرعه الله له ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله مستعينا بالله في ذلك كله. ولهذا جاء في بعض رواية الحديث الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها: «فبي يسمع وبي يبصر» (تفسير ابن كثير2/ 580).

ثم إن الله تعالى فرق في الحديث بين الداعي والمجيب وبين المستعين وبين المستعان به.

وأورد الحافظ للحديث عدة معاني:

منها: أن الحديث ورد على سبيل التمثيل. والمعنى كنت سمعه وبصره في ايثاره أمري فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.

ومنها: أن المعنى: كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.

ومنها: أنه على حذف مضاف. والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع الا ما يحل استماعه وحافظ بصره كذلك الخ.

ونقل عن الخطابي أن المعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الاصغاء الى اللهو بسمعه ومن النظر الى ما نهى الله عنه ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده ومن السعي الى الباطل برجله.

ونقل عن آخرين أن الله يحفظه فلا يتصرف الا في ما يحب الله لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه منه. فلا يتحرك له جارحة الا في الله ولله فهي كلها تعمل بالحق للحق» (فتح الباري11/ 344)