باب مفهوم الشبهة عند ابن القيم

قال ابن القيم: والشبهة وارد يرد على القلب, يحول بينه وبين انكشاف الحق له, فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه, بل يقوى علمه ويقينه بردها, ومعرفة بطلانها, ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه, قدحت فيه الشك بأول وهلة, فإن تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها؛ حتى يصير شاكًا مرتابًا, والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي, وجيش شبهات الباطل, فأيما قلب صغا اليها, وركن إليها تشربها, وامتلأ بها, فينضح لسانه وجوارحه بموجبها, فإن اشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات, فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه, وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه, وقال لي شيخ الإسلام - رضي الله عنه - وقد جعلت أورد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها, فلا ينضح إلا بها, ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة, تمر الشبهات بظاهرها, ولا تستقر فيها, فيراها بصفائه, ويدفعها بصلابته, وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها, صار مقرًّا للشبهات, أو كما قال, فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. اهـ