باب متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما

ذهب عامة العلماء أن عمر لم يحرم متعة الحج. وإنما كان يرى متعة الحج رخصة تؤدى فيها عمرة وحجة في زيارة واحدة للبيت. وكان يريد من الناس إتمام العمرة لقوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (وكذلك تكثير زيارة البيت حتى لا يزار البيت فقط في الأشهر الحرم. ثم هو صرح بأنه لم ينه عنها نهي تحريم بل يرى تمتع الحج مهتديا بسنة النبي (.

فقد ثبت عن الصُبَيّ بن معبد أنه لما قال لعمر: إني أحرمت بالحج والعمرة جميعا. قال له عمر: هديت لسنة نبيك (» (رواه أحمد في المسند بإسناد صحيح 1/ 14 أو 1/ 246 ح رقم (83) و (169) و (227) و (254) و (256) و (379) وصححه محققو المسند. ورواه النسائي5/ 113 وصححه الألباني في صحيح النسائي2/ 575 ح رقم2550).

وعن ابن عباس قال «سمعت عمر يقول والله إني لا أنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، وقد فعلها رسول الله يعني العمرة في الحج» (سنن النسائي رقم 2719 وصححها الألباني في صحيح النسائي2/ 578 ح رقم2563).

وروى البيهقي في سننه (5/ 21) أن علي بن أبي طالب قال لعمر بن الخطاب «أنهيت عن المتعة؟ قال: لا ولكني أردت كثرة زيارة البيت. فقال علي رضي الله عنه: من أفرد الحج فحسن ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نبيه (.

وإنما أراد عمر أن لا يخلو بيت الله الحرام من المعتمرين باقي أيام السّنة، ولأن التمتّع كان من السهولة بحيث تُرك الاعتمار في غير أشهر الحج فنهاهم عن التمتع.

وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له «إنك تخالف أباك قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال أفردوا العمرة من الحج أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله عز وجل لرسول الله ? قال فإذا أكثروا عليه قال أفكتاب الله عز وجل أحق أن يتبع أم عمر؟» (سنن البيهقي5/ 21 التمهيد8/ 210 لابن عبد البر وقال مؤلف كتاب حجة الوداع «رجاله ثقات» 1/ 398).

وعن عقيل عن بن شهاب أنه سأل سالم بن عبد الله بن عمر: «لِمَ نهى عمر رضي الله عنه عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ? وفعلها الناس معه. فقال أخبرني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال «إنّ أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج والحج أشهر معلومات فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور» (رواه البيهقي في سننه5/ 21).

قال الطحاوي في شرح معاني الآثار «فأراد عمر رضي الله عنه بذلك تمام العمرة لقول الله عز وجل وأتموا الحج والعمرة لله وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم إن لم يجد هديا وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدى ولا صيام فأراد عمر رضي الله عنه بالذي أمر به من ذلك أي يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة الى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة فأخبر ابن عمر رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه في هذا الحديث أنه إنما أمر بإفراد العمرة من الحج لئلا يلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة لا لكراهته التمتع لأنه ليس من السنة. وإنما كان يريد إرشاد الناس إلى ما هو أفضل منها» انتهى.

والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل، بالشيء نهي عن ضده فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما يكذب الكذاب التيجاني، صاحب أكذوبة (إبحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون). وإنما قال عمر: أنهى عنهما ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.

وهذا ما صرح به أهل العلم ومنهم البيهقي الذي قال «وجدنا في قول عمر رضي الله عنه ما دل على أنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه وعلى اختيار الأفراد على غيره لا على التحريم وبالله التوفيق» (سنن البيهقي7/ 206).

وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة.

أما التحريم المطلق لمتعة الحج فقد ذهب إليه أبو ذر كما في صحيح مسلم عن إبراهيم التيِّمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة» (مسلم رقم 1224) وأبو ذر من الصحابة المرضيين عند الرافضة فإذا كان الخطأ في مسألة يقتضي القدح والطعن فينبغي أن يشمل أبو ذر أيضاً اللهم إذا كانت القضية هي البحث عن مثالب عمر فقط!

أما متعة النساء فإن عمر لم يحرمها من تلقاء نفسه بل لأن النبي حرَّمها فقد أخرج مسلم في صحيحه عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدَّثه، أنه كان مع رسول الله «يا أيها الناس إني قد كنت أذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنَّ شيء فليخلِّ سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» (مسلم رقم1406).

وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري عن الحسن بن محمد ابن علي، وأخوه عبد الله عن أبيهما أن علياً رضي الله عنه قال لابن عباس: إن النبي (نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر» (رواه البخاري رقم4825).

وقد قال علي بن أبي طالب لمن كان يجيز متعة النساء «إنك لرجل تائه. ألم تعلم أن النبي (حرم عنها يوم خيبر؟» (رواه مسلم)