أن النبي حزن على فتور الوحي حتى كاد يتردى من شواهق الجبال

 

 

وأما الرواية الثانية فقد وردت في صحيح البخاري من بلاغات الزهري، قال ابن حجر في الفتح: القائل: فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا. وقال الكرماني: هذا هو الظاهر. انتهى.

وقال الدكتور عماد الشربيني في رسالته للدكتوراه والتي بعنوان -رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم- قال: لعل الإمام البخاري وغيره ممن أخرج هذه الزيادة أرادوا بذلك التنبيه إلى مخالفتها لما صح من حديث بدء الوحي الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة، وخصوصاً أن البخاري لم يذكر هذه الزيادة في بدء الوحي ولا التفسير، وإنما ذكرها فى التعبير. انتهى.

وقال أيضا عن هذه الزيادة: غير ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئاً منها، ولا فعلها، فهي لا تصح سنداً ولا متناً لما يلي... اهـ، ثم فصل ذلك تفصيلا حسنا، وحكم الألباني على هذه الزيادة بالشذوذ والإرسال والإعضال، وقال: واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها كما بينته في ( سلسلة الأحاديث الضعيفة ) برقم ( 4858 ) اهـ. وقد حكم عليه الشيخ في هذا الموضع من الضعيفة بالبطلان.

وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط عن هذه الزيادة في تحقيق مسند أحمد: هو مِن بلاغات الزهري وهي واهية.. ومعلوم عند أهل العلم أن بلاغات الزهري واهية ليست بشيء. انتهى.

وممن رد هذه الزيادة بضعفها الدكتور الشريف حاتم العوني، والشيخ عبد الرحمن دمشقية في كتابه -أحاديث يحتج بها الشيعة- وقال: هذا هو الصواب، وحاشى أن يقدم رسول الله وهو إمام المؤمنين على الانتحار أو حتى على مجرد التفكير فيه. اهـ.

ونقل الدكتور الصلابي في (السيرة النبوية) عن صفي الرحمن المباركفوري قوله عنها: مرسل ضعيف، كما أنه يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم اهـ. وردها أيضا القاضي عياض في (الشفا) ثم وجهها على افتراض صحتها فقال عن قول الزهري "فيما بلغنا" قال: لم يسنده ولا ذكر رواته ولا من حدث به، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولا يعرف مثل هذا إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه، أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا... أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به. انتهى.

وقد نبه الشيخ رفاعي سرور في كتابه -المسيح بن مريم- على انقطاع إسناد هذه القصة، ثم ناقشها باستفاضة على افتراض صحتها، وممن وجهها أيضا على افتراض صحتها الحافظ الإسماعيلي كما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح فليراجعهما السائل إن شاء، وهما متوفران على موقع المكتبة الشاملة، ولكن الذي نقطع به هو بطلان هذه الرواية كما حكم بذلك العلامة الألباني، وعلى ذلك فلا نحتاج لتوجيهها.

والله أعلم.

أصل الحديث في ( صحيح البخاري ) - مع فتح الباري برقم ( 6982 ) ، كتاب : التعبير ؛ باب : أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة :

حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ؛ ح؛ وحدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، قال الزهري : فأخبرني عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فذكرت حديثاً طويلاً فيه بيان كيفية نزول الوحي في بدايته على رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وفيه قول الزهري رحمه الله :
( حتى حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - فيما بلغنا - حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال )
بلاغ الزهري هذا حكمه الضعف سنداً ؛ لأنه سقط من إسناده اثنان على الأقل ، وبلاغات الزهري ليست بشيء كما هو الحال في مرسلاته ؛ فهي شبه الريح - أي لاأساس لها بمنزلة الريح لاتثبت - فقد قال يحيى القطان : ( مرسل الزهري شر من مرسل غيره ؛ لأنه حافظ ، وكلما يقدر أن يسمي سمى ؛ وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه ! ) . انظر ( شرح علل الترمذي ) لابن رجب 1 / 284
فإذا كان هذا حال المرسل ؛ فكيف يكون حال البلاغ ؟
أما رواية ابن مردوية التي ذكرها الحافظ في ( فتح الباري ) 12 / 359 - 360 ، وأنها من طريق محمد بن كثير ، عن معمر بإسقاط قوله : ( فيما بلغنا ) فتصير الرواية كلها من الحديث الأصلي ؛ هذه الرواية ضعيفة أيضاً لا يحتج بها ؛ لأن محمد بن كثير هذا هو المصيصي ، وهو كثير الغلط كما في ( التقريب ) 6291 وأما رواية ابن عباس رضي الله عنهما عند الطبري في ( التاريخ ) 2 / 300 - 302 ، والتي ذكرها ابن حجر في ( الفتح ) 12 / 361 ؛ فإنها واهية جداً بل موضوعة ، فالحمل فيها على محمد بن حميد الرازي ، وهو متهم بالكذب - بل كذبه صراحة بلديه أبو زرعة الرازي ، وهو أعرف به من غيره - فلا قيمة لروايته أصلاً ؛ وقد روى ابن إسحاق في ( السيرة ) كما في ( سيرة ابن هشام ) 1 / 267 - 270 ؛ حديث ابن عباس هذا ، وليس فيه زيادة ابن حميد الكذاب ,اذا الخلاصة هنا :
أن رواية إقدامه عليه الصلاة والسلام على الانتحار من رؤوس الجبال ضعيفة سنداً ، باطلة متناً ؛ فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أرفع قدراً ، وأجل مكانة ، وأكثر ثباتاً من أن يقدم على الانتحار بسبب فترة الوحي وانقطاعه عنه !
أما التفسيرات التي ذكرها بعض العلماء كالحافظ الإسماعيلي - ونقله عنه ابن حجر في ( الفتح ) 12 / 360 ، 361 - وتأويله للرواية بأنها بسبب مفاجأة الوحي له ثم انقطاعه عنه عليه الصلاة والسلام ، وكونه لم يتحمل أعباء النبوة ، والخوف من القيام بها ، وإرادة التخلص من هذا الغم ؛ ثم سكن جأشه ، واستقرت نفسه عندما ظهر له جبريل عليه السلام , فلا داعي لهذا التأويل أو التفسير ؛ لأنه فرع التصحيح كما يقول العلماء ؛ وإذ لم تصح الرواية فلا داعي لتفسيرها ، بل الواجب أن نتيقن بأنه عليه الصلاة والسلام لم يفكر في الانتحار ، ولم يسع إليه ، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه .

يحتج الرافضة وسلفهم النصارى على أن هذا دليلا على أن النبي (كان يريد الانتحار.

أما الحديث فقد رواه البخاري. (كتاب التعبير: باب أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة. ح رقم6982).

وقد تضمن خبر الانتحار المزعوم عبارة (فيما بلغنا). وهذا القول من بلاغات الزهري.

وقول الزهري (فيما بلغنا) لا علاقة له بصحة الحديث الذي عند البخاري. وهذا البلاغ مما وصل إليه من خبر. ولهذا قال الحافظ أحمد ابن حجر «إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهرى وعنه حكى البخارى هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله، وقال الكرمانى «وهذا هو الظاهر» (فتح الباري12/ 359).

هذا هو الصواب وحاشى أن يقدم رسول الله وهو إمام المؤمنين على الانتحار أو حتى على مجرد التفكير فيه. وقال الألباني «شاذ مرسل معضل من قول الزهري» (دفاع عن الحديث ص40).

فهذا البلاغ ورد مطلقا غير موصول. ولم يصرح به بالتلقي عن عروة عن صحابي كما في أول سند هذا الحديث.

ومعلوم أن التابعي إذا لم يصرح باسم الصحابي في الرواية تكون الرواية منقطعة فكيف إذا وردت هكذا مطلقة من دون أي تصريح بأي راو؟