أنت ولي كل مؤمن بعدي

صححه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك3/ 134) ولم يقل أنت ولي أمر كل مؤمن بعدي. والولاية هي المحبة والنصرة ومن هذا الباب علي ولي كل مؤمن.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فأما الفتوى التي أشار إليها السائل برقم31594، فنص سؤالها: لم لا نعترف نحن أهل السنة بولاية علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأولاده كأئمة؟ فلم يرد في سؤالها ذكر لحديث: (وليكم بعدي) أو (ولي كل مؤمن بعدي). وهذه الزيادة في حديث الموالاة، بلفظ: "وهو وليكم بعدي" عند أحمد وغيره، وبلفظ: "وهو ولي كل مؤمن بعدي" عند الترمذي وابن حبان والطيالسي، وغيرهم. قد اختلف أهل العلم في ثبوتها، فمنهم من قواها كالحافظ ابن حجر في (الإصابة) و (الفتح) والأرنؤوط، أو صححها كابن حبان والبوصيري والألباني. ومنهم من ضعفها كابن كثير والمباركفوري في (تحفة الأحوذي). قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية): هذه اللفظة منكرة، والأجلح ـ يعني أحد رواة الحديث ـ شيعي، ومثله لا يقبل إذا تفرد بمثلها، وقد تابعه فيها من هو أضعف منه. والله أعلم. والمحفوظ في هذا رواية أحمد عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي وليه. انتهـى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والذي فيه من الصحيح ليس هو من خصائص الأئمة، بل ولا من خصائص علي، بل قد شاركه فيه غيره، مثل كونه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ومثل استخلافه وكونه منه بمنزلة هارون من موسى، ومثل كون علي مولى من النبي صلى الله عليه وسلم مولاه، فإن كل مؤمن موال لله ورسوله .. انتهـى.

وقال أيضا: قوله: "هو ولي كل مؤمن بعدي" كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها: والي كل مؤمن بعدي .. فقول القائل: علي ولي كل مؤمن بعدي. كلام يمتنع نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول: بعدي. وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول: وال على كل مؤمن. انتهـى.

وأما توجيه هذه اللفظة إن صحت، فيتبين من تبويب ابن حبان ـ رحمه الله ـ فقد بوب عليه: باب: ذكر البيان بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ناصر لمن انتصر به من المسلمين بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وإذا سلمنا أن الولاية هنا بمعنى تولي الأمر، فالجواب كما قال العصامي في سمط النجوم العوالي: فقد كان ذلك؛ إذ قد تولى علي - رضي الله عنه - أمر الأمة بالخلافة، وإن كان بَعدَ من كان بعده؛ فقد صدق عليه - رضي الله تعالى عنه – أنه تولى الأمة بعلي - عليه الصلاة والسلام - حقيقةً. ومثل هذا قد ورد، وسيأتي في مناقب عثمان - رضي الله تعالى عنه - أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه حوريةَ فقال لها: لمن أنت؟ فقالت: للخليفة من بعدك، عُثْمَانُ؛ وحينئذ فتكون فائدةُ ذكرِه صلى الله عليه وسلم ذلك؛ للتنبيه على فضيلة علي - رضي الله تعالى عنه – والتمرنِ على محبته؛ فإنه سيلي عليكم، ويتولى أمركم، ومن تتوقع إمرته فالأولى أن يمرن القلبُ على مودته ومحبته ومجانبة بغضه؛ ليكون أدعى إلى الانقياد، وأسرع للطواعية، وأبعد عن الخلف. وقال أيضا: لا يجوز حمله على أنه المولى عقبَ وفاته صلى الله عليه وسلم في الأحاديث كلها؛ لوجوه: الأول: أن لفظ الحديث لفظ الخبر، ممن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولو كان المراد به كذلك، لوقع لا محالة كما وقع كل ما أخبر عنه؛ فلما لم يقع ذلك  دَلَّ على أن المراد به غيره. لا يقال: لم لا يجوز أن يكون المراد بلفظ الخبر الأمر؟ لأنا نقول: يلزم على ذلك محذوران: الأول: صرف اللفظ عن ظاهره، وذلك مرجوح، والظاهر راجح؛ فوجب العمل به. الثاني: أن ذلك - يعني: أمر الخلافة- أمر عظيم مهم في الدين، تتوفر عليه دواعي المسلمين، ومثل ذلك لا يكتفى في بالألفاظ المجملة؛ بل يجب فيه التصريح بنص الظاهر. الوجه الثاني: لزوم مفسدة عظيمة في الحمل على ذلك، هي: نسبةُ الأمة إلى الاجتماع على الضلالة، واعتقادُ خطأ جميع الصحابة باجتماعهم على تولية أبي بكر رضي الله تعالى عنهم - وذلك منفي بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " وما تدعيه الرافضة: من أن علياً ومن تابعه في ترك المبادرة إلى  بيعة أبي بكر؛ إنما بايعوه بعد ذلك تقية؛ فلا إجماع على بيعة أبي بكر في نفس الأمر - فهذا غايةُ الفساد لما يلزم عليه من نسبة القبائح والرذائل. الوجه الثالث - لم لا يجوز أن يكون الولي هنا بمعنى: المحب الموالي، ضد العدو. والتقدير: وهو متوليكم ومحبكم بعدي، ويكون المراد بالبعدية هنا: البعدية في الرتبة لا بعدية وفاته صلى الله عليه وسلم أي: المتقدم في تولي المسلمين ومحبتهم: أنا، ثم علي في الدرجة الثانية؛ لمكانته مني وقربه ومناسبته؛ فهو أولى بمحبة من أحبه، وتولي من أتولاه، ونصرة من أنصره، وإجارة من أجيره. انتهى.

ومما جاء في القرآن من استعمال البعدية في الرتبة لا الزمان قوله تعالى: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ {التحريم:4} وقوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ {القلم:13}.

ومن المعلوم أن أهل السنة يعتقدون اعتقادا جازما فضل علي رضي الله عنه من جهة عمله في نفسه وبذله لدين الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من جهة نسبه وكونه أفضل أهل بيت النبوة وهو من هذه الجهة جهة النسب أفضل من بقية الخلفاء الراشدين، وله من هذه الحيثية حق زائد على حقهم، ولذلك لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسورة براءة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليقرأها على الناس في الحج، فلما بلغ ذا الحليفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي، فبعث بها مع علي. رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن غريب. وقال الألباني: حسن الإسناد.

قال المحب الطبري: عادة العرب لم تزل جارية في نقض العهود أن لا يتولى ذلك إلا من تولى عقدها أو رجل من قبيلته. انتهى.

وإن فسرنا البعدية في الحديث ببعدية الزمان، فلا يخفى ما فيها من البشارة الواضحة لعلي رضي الله عنه بثباته واستقامته على حاله بعد موت رسول صلى الله عليه وسلم، وبقاء حقه على كافة المسلمين، وهذا المعنى يناسب سبب ورود الحديث من عيب بعد الصحابة وشكايتهم من علي رضي الله عنه. وقد فصَّل ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) الكلام على الحديث فليرجع إليه من أراد المزيد