باب حياتي خير لكم تحدثون ويُحدَث لكم

ومماتي خير لكم تُعرَض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم».

لو كان هذا المخترع لهذا الحديث من بني إسرائيل لكان من كهانهم بسبب هذا السجع في هذه الجملة.

هذه الجملة جاءت زيادة على الحديث الصحيح في مسلم «إن لله ملائكة سياحين». وهي غير صحيحة. ولهذا قال البزار «وهذا الحديث آخره لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد» (مسند البزار5/ 308 واحتج بكلامه هذا الحافظ بن كثير في البداية والنهاية5/ 275).

وأعلها الحافظ ابن عبد الهادي والمناوي بالإرسال (الصارم المنكي1/ 266 التيسير بشرح الجامع الصغير1/ 502).

ولذلك قال الشقيري رحمه الله «الحديث ضعفه في الجامع وشارحه وضعفه العراقي في تخريج الإحياء وهو مرسل عند جماعة فلا حجة فيه» (السنن والمبتدعات1/ 265).

ولنا من هذه الرواية مواقف:

ا) الطعن في هذه الزيادة التي تفرد بها الراوي وهو عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رَوَّاد المرجئي على حديث «إن لله ملائكة سياحين». فقد نقل الزبيدي حكم الحافظ العراقي على الحديث بأنه «ضعيف لأن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز، فهو وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون. ورواه الحارث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف» (المغني عن حمل الأسفار2/ 1051 على هامش الإحياء).

وقال فيه ابن حبان في المجروحين (2/ 205) «منكر الحديث جداً يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير: فاستحق الترك». وقال الحافظ في التقريب «صدوق يخطئ وكان مرجئاً» (4160).

وذكر الزبيدي طريقا أخرى عند ابن سعد في الطبقات عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً (إتحاف السادة المتقين 9/ 176 – 177 وانظر الإحياء 4/ 148).

ولما قاله الحافظ البزار «لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه» وإنما رواه النسائي (رقم 1282) من دون هذه الزيادة.

والحديث ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد 9/ 24) وقال «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».

وهذه العبارة لا تفيد صحة الإسناد أو الحديث كما هو معروف عند أهل الحديث، فلا يجوز أن يقال «صححه الهيثمي» فهذه تمويه وتلبيس على العامة، فان صحة الإسناد ليست لازمة لصحة الحديث، لا يلزم منه صحة الرواية كما بينه الحافظ في التلخيص3/ 19) بل بينهما مراتب، فكم من سند صحيح رواته ثقات وهو شاذ أو معلل، وشرط الحديث الصحيح أن يبرأ من الشذوذ والعلة.

2) الرواية غير متواترة أيها المطالبون باشتراط المتواتر في العقائد. بل ضعيفة لا آحاداً فقط، فانظر كيف تجاهلوا ترك عمر للتوسل بالنبي (بعد موته، وآثروا الضعيف على المتواتر.

3) أنها تحث على الإرجاء وراويها عبد المجيد بن عبد العزيز مبتدع متهم بالدعاية للإرجاء حتى أدخل أباه فيه. وهو الذي روى الرواية الموضوعة عن ابن عباس «وما نعلم الحق إلا في المرجئة» (ميزان الاعتدال2/ 648 وانظر العلل لأحمد 2/ 113 الجرح والتعديل 6/ 46 تهذيب التهذيب6/ 381 الضعفاء الصغير للبخاري 239).

وقد شهد عليه أحمد والبخاري بأنه من غلاة المرجئة. قال «كان فيه غلو في الإرجاء». وقال أبو داود: «كان داعية في الإرجاء» (تهذيب التهذيب 6/ 381).

ومن المقرر عند العديد من علماء الحديث أن المبتدع إذا تفرد برواية تؤيد بدعته فإن روايته مردودة. وهذا جرح مفسر مقدم على التوثيق.

وهذا الحديث يؤيد مذهبه في الإرجاء. فإنه ما دام العمل معروضا على النبي (فيستغفر فلا تضر المعاصي حينئذ كبيرة كانت أو صغيرة إذ جاء الاستغفار في الحديث مطلقا من سائر الأعمال السيئة.

الآثار السلوكية والأخلاقية لهذه الرواية

وكيف يقول النبي (لابنته فاطمة «أنقذي نفسك من النار لا أغنى عنك [لا أملك لك] من الله شيئا» ثم يطمئن الزناة ومرتكبي الكبائر من أمته ويعدهم بأنه سيستغفر لهم؟

فهذا الحديث خطير من الناحية السلوكية على المسلمين إذ يثبط المحسن ويشجع المسيء وينتهي الفريقان إلى نهاية واحدة وهي تطمين الفريقين بالمغفرة واستوائهما من حيث النتيجة، أليس هذا التطمين بالمغفرة على ما يعملون شبيه بتطمين النصارى بالمغفرة على خطاياهم لمجرد إيمانهم بالمسيح؟!

ولماذا كان يأمر بإقامة الحد على المذنبين من أمته في حياته ولم يكتف بالاستغفار لهم وهم جزء من أمته؟

وإذا كان يستغفر لأمته فلماذا يدخل أفواج من أمته النار؟

4) أن الحديث إذا كان يفيد استغفار النبي (لنا فلا يفيد جواز سؤاله لعدم فعل الصحابة ذلك ولأن القران أثبت لنا أن الملائكة حملة العرش دائمة الاستغفار للمؤمنين (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (ولم يقل أحد بجواز سؤالهم مع الله. والنبي (مات وسؤال الأنبياء بعد موتهم غير جائز. ولو جاز، سؤال النبي بعد موته لاشتهر سؤال الصحابة للأنبياء السابقين، مما يؤكد أنه شرك. وكفى بالشرك مانعاً من الشفاعة.

5) أن هذه الرواية تثبت آخر مع الله في عرض الأعمال عليه. فتصير الأعمال معروضة (عليهما) لا على الله وحده. وهذا شرك يعتقده الروافض، فقد قالوا بأن قوله تعالى (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ («أنهم الأئمة» (الكافي1/ 171 بصائر الدرجات442، 447، 450).

وقد وضع الكذابون من هذه الأمة الأحاديث المكذوبة في ذلك مثل حديث «تعرض علي أعمالكم يوم الخميس». أولهم: حسين بن علي العدوي، اتهمه ابن عدي والدارقطني وابن حبان بالكذب (الكامل لابن عدي3/ 945 المجروحين1/ 241 و288 سؤالات السهمي رقم284 ص211) والثاني: أبو سلمة محمد بن عبد الملك الأنصاري وهو منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج بحديثه كما قال ابن حبان (الضعفاء 4/ 96 المجروحين 2/ 266 ميزان الاعتدال 3/ 598).

في حين ثبت في الصحيح أن الأعمال تعرض على الله. قال («تعرض الأعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء» (رواه مسلم (2565) وأحمد في المسند 2/ 268). فكيف (يغفر الله إلا) بينما يكون استغفار النبي (مطلقا؟

6) أنها تعارض أحاديث أصح منها تنفي معرفة النبي (بما يحدث لأمته من بعده. قال («ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني، فأقول يا رب أصيحابي أصيحابى، فيقال لي: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك. فأقول كما يقول العبد الصالح (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (».

وحين كان (حيا لم يكن يعلم بأحوال من غاب من أمته، من ذلك قصة ضياع عقد عائشة في الصحراء، وقول أصحاب بئر معونة لما وقعوا في الغدر قالوا «اللهم بلغ نبينا» ولم يعتقدوا أنه يسمع كل واحد من أمته قريباً كان أو بعيداً