باب من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فمما لا شك فيه أن الإسلام قد حث على الحياء، بل قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. رواه البخاري ومسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يكني ولا يصرح في الأغلب من أحواله، ولكن قد يصرح أحياناً للمصلحة أو الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: قال أهل العلم: يجوز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة... كما في حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا. انتهى، والحديث رواه أحمد والنسائي في الكبرى وصححه الألباني وحسنه الأرناؤوط.

وقال في مجموع الفتاوى: ومعنى قوله (من تعزى بعزاء الجاهلية) يعنى يعتزى بعزواتهم وهي الانتساب إليهم في الدعوة مثل قوله يالقيس ياليمن ويالهلال ويالاسد فمن تعصب لأهل بلدته أو مذهبه أو طريقته أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله فإن كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وربهم إله واحد لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم واليه ترجعون". انتهى.

وذكر ابن القيم الحكمة من ذكر هن الأب، فقال في زاد المعاد: ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: اعضض هن أبيك، وكان ذكر هن الأب ها هنا أحسن تذكيرا لهذا المتكبر بدعوى الجاهلية بالعضو الذي خرج منه، وهو هن أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدى طوره. انتهى.

وما هذا إلا لشدة تحريم التعصب للقوميات الجاهلية، قال الشنقيطي في أضواء البيان: فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء « عزاء الجاهلية » وأمر ان يقال للداعي به «اعضض على هن أبيك» أي فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية. فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي صلى الله عليه وسلم له.... واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة. وقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة. كقوله: قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا {المائدة: 104}، وقوله: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا {البقرة: 170}، وأمثال ذلك من الآيات . 

شرح الحديث

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عتي، عن أبي بن كعب، قال: رأيت رجلا تعزى عند أبي بعزاء الجاهلية، افتخر بأبيه، فأعضه بأبيه، ولم يكنه، ثم قال لهم: أما إني قد أرى الذي في أنفسكم، إني لا أستطيع إلا ذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه، ولا تكنوا. وفي رواية: إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا . والحديث صححه ابن حبان، والألباني.

ومعنى العض: أخذ الشيء بالأسنان، أو اللسان.

  قال القاري: (فأعضوه): بتشديد الضاد، والمعجمة من أعضضت الشيء: جعلته يعضه، والعض أخذ الشيء بالأسنان، أو باللسان على ما في القاموس (بهن أبيه)، بفتح الهاء، وتخفيف النون، وفي النهاية: الهن بالتخفيف، والتشديد كناية عن الفرج، أي: قولوا له: اعضض بذكر أبيك، أو أيره، أو فرجه. (ولا تكنوا) : بفتح أوله، وضم النون، أي: لا تكنوا بذكر الهن عن الأير، بل صرحوا بآلة أبيه التي كانت سببا فيه، تأديبا وتنكيلا، وقيل: معناه من انتسب، وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنة أهلها، وابتداع سنتهم في الشتم، واللعن، والتعيير، ومواجهتكم بالفحشاء والتكبر، فاذكروا له قبائح أبيه من عبادة الأصنام، والزنا، وشرب الخمر، ونحو ذلك مما كان يعير به من لؤم، ورذالة صريحا لا كناية; كي يرتدع عن التعرض لأعراض الناس. اهـ. من مرقاة المفاتيح.

وأما الحكمة من التعبير بالعض دون غيره من الألفاظ، فلم نقف فيه على كلام للعلماء، ولعله للمبالغة في الزجر، والتنفير من التعزي بعزاء الجاهلية؛ لما في عض الهن من بشاعة.

الحديث صحيح رواه النسائي وابن حبان وأحمد بسند صحيح.

 

وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار قال النبي ? «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وغضب لذلك غضبا شديدا (دقائق التفسير2/ 44).

قال في (الروض الأنف1/ 247) «وفيه من الفقه تخصيص أهل هذا الحلف بالدعوة وإظهار التعصب إذا خافوا ضيما وإن كان الإسلام قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم يا لفلان عند التحزب والتعصب وقد سمع الله يوم المريسيع رجلا يقول يا للمهاجرين وقال آخر يا للأنصار فقال رسول (دعوها فإنها منتنة).

وهذا الحديث رواه الشيعة وشرحوه ولم يستنكروه.

قال المجلسي في بحار الأنوار23/ 91:

«أقول الاير: الذكر. وقال ابن الاثير في النهاية: [وفيه] «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا» أي فقولوا له: أعضض بأير أبيك ولا تكنوا بالاير عن الهن تنكيرا له وتأديبا. و [أيضا قال في مادة أير في حديث علي (عليه السلام): «من يطل أير أبيه ينتطق به» هذا مثل ضربه أي من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم انتهى. ولعل المعنى هنا أخذه بسنة أبيه الكافر ولزومه بجهله وعصبيته ومعائبه أو قلة أعوانه وأنصاره ودنائته.

وقال المجلسي «وروى أبو مخنف قال «وبعث علي (عليه السلام) من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى وكتب معهما: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد يا ابن الحائك يا عاض أير أبيه»: (بحار الأنوار32/ 87).

حدَّثني أبو عبدالله محمّد بن أحمدَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن عمّار، عن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن فَضّال، عن محمّد بن الوليد، عن يونسَ بن يعقوبَ «قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: يا يونسُ ليلة النًّصف من شعبان يغفر الله لكلِّ مَن زارَ الحسين عليه السلام مِن المؤمنين ما تقدَّم مِن ذنوبهم وما تأخّر، وقيل لهم: استقبلوا العَمَل، قال: قلت هذا كلّه لِمَن زارَ الحسين عليه السلام في النّصف من شعبان؟ فقال: يا يونسُ لو أخبرت النّاس بما فيها لمن زارَ الحسين عليه السلام لَقامَتْ ذكور الرِّجال على الخشب «(وسائل الشيعة14/ 470).

وهذه الرواية من بركات زرارة ابن النصراني (تاريخ آل زرارة1/ 38 أبو غالب الزراري اختيار معرفة الرجال للطوسي1/ 346).