بحث متقدم... 
    
   
 
 
الرئيسة شـبهــات وردودشبهة حديث القاتل والمقتول في النار
 
شبهة حديث: (القاتل والمقتول في النار)  
حديث: (القاتل والمقتول في النار)

 


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد و على آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فعن الْأَحْنَفِ بن قَيْسٍ قال ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أبو بَكْرَةَ فقال أَيْنَ تُرِيدُ قلت أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ قال ارْجِعْ فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ  يقول:
(إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ فقلت يا رَسُولَ اللَّهِ هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ قال إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ [إنه قد أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ]). حم. خ. م.

شبهة القوم: يقولون إذا كان القاتل والمقتول في النار فما مصير الصحابة الذين تقاتلوا في موقعة الجمل وصفين ؟؟؟

 

 يورد شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من مجموع الفتاوى (35/50 و 54 و 56 و 69) رأي أهل السنة في هذه المسألة مستبعداً رأي أهل البدع من الخوارج و الرافضة و المعتزلة الذين جعلوا القتال موجباً للكفر أو الفسق ، فيقول : و أهل السنة و الجماعة و أئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة بل يمكن أن يقع الذنب منهم ، والله يغفر لهم بالتوبة و يرفع بها درجاتهم ، و إن الأنبياء هم المعصومون فقط ، أما الصديقون و الشهداء و الصالحون فليسوا معصومين ، و هذا في الذنوب المحققة ، و أما اجتهادهم فقد يصيبون فيه أو يخطئون ، فإذا اجتهدوا و أصابوا فلهم أجران ، و إذا اجتهدوا و أخطأوا فلهم أجر واحد على اجتهادهم ، و جمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين و بين أصحاب الجمل و صفين ممن يعد من البغاة المتأولين ، و هذا مأثور عن الصحابة و عامة أهل الحديث ، و الفقهاء و الأئمة .



الجواب على هذه الشبهة:
أولاً:
نبدأ بالتأصيل، فتأصيل المسألة من وجوه.

الوجه الأول:


أن هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث والآيات؛ هي من باب الوعيد و نظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). "حم، ق). فأهل السنة والجماعة لا يُكفِّرون القاتل، إلا المستحل.
ولما كانت هذه الأحاديث والآيات من باب الوعيد رأينا عمَل السلف بها، ألاَ ترى "ما أخرجه عبد بن حميد أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول: لمن قتل مؤمناً توبة.
فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمنا توبة قال: لا إلا النار.
فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟! قال إني أظنه رجل يغضب يريد أن يقتل مؤمناً، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك" . "الدر المنثور" (2/629) وفي ط. :(2/353).
وأعلى من ذلك في الزجر والوعيد قوله تعالى: (( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )) . (النساء : 93 ).
لم يقل أحد من أهل العلم أن القاتل كافر، ولم يقولوا أنه مخلد في النار، وإنما قالوا أن هذه من آيات الوعيد والزجر و أمرُّوها كما هي.
و من قال من أهل العلم أنه ليس للقاتل من توبة ـ ولم يقولوا أنه كافر أو مخلد في النار ـ ؛ إنما قالوا: ليس للقاتل توبة إلا أن يقاد منه أو يعفى عنه أو تؤخذ منه الدية . وهذا قول زيد بن اسلم. وهو قول ابن عباس أيضاً كما رواه الديلمي عنه في "الفردوس" (3/410/ رقم 5256).
ولهذا قال سفيان:"بلغنا أن الذي يقتل متعمداً فكفارته أن يقيد من نفسه أو أن يعفى عنه أو تؤخذ منه الدية فإن فُعل به ذلك رجونا أن تكون كفارته ويستغفر ربه فإن لم يفعل من ذلك شيئا فهو في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له. فقال سفيان ـ وهنا الشاهد ـ فإذا جاءك من لم يقتل فشدد عليه ولا ترخص له لكي يفرض، وإن كان ممن قتل فسألك فأخبره لعله يتوب ولا تؤيسه". ـ وبذلك يقول ابن عمر ـ، فقد "أخرج النحاس عن نافع وسالم أن رجلا سأل عبد الله بن عمر كيف ترى في رجل قتل رجلاً عمداً؟ قال: أنت قتلته؟ قال: نعم. قال تب إلى الله يتب عليك. "الدر المنثور" (2/629) وفي ط. : (2/354).
ومثل ذلك ما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قاتل المؤمن، قال: كان يقال: له توبة إذا ندم". "الدر المنثور" (2/928).

الوجه الثاني:


"قال العلماء معنى كونهما ـ أي المسلمان ـ في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمْرُهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين و إن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا، وقيل هو محمول على من استحل ذلك ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله فهما في النار استمرار بقائهما فيها". "الفتح" (13/33).

ثانيا:

رد الشبهة بعد أن انتهينا من تأصيل المسألة من أوجه:

الوجه الأول:


أنّ آخر الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ). يُخرج الصحابة من هذا الوعيد الذي تقرر في المسألة؛ أن هذا الحديث من باب الوعيد، حيث أن الصحابة في الموقعتين المذكورتين ـ الجمل وصفين ـ لم يخرجوا للقتال، ولم يكونوا حريصين على قتل بعضهم البعض، بل خرجوا للصلح بالإجماع.

الوجه الثاني:

أن الذي وقع بينهم من حروب؛ إنما وقع عن اجتهاد من كلا الطرفين رضي الله عنهم أجمعين، ومن المعلوم المقرر بالأدلة أن المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطىء له أجر واحد بنص السنة النبوية فقد ثبت من قوله صلى الله عله وسلم أنه قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد). حم، ق.
ولا شك أن ما وقع بين الصحابة هو من هذا القبيل .
" واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع بينهم ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وان المصيب يؤجر أجرين .. وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث: على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك". "فتح الباري" (13/33ـ34).

الوجه الثالث:


أن الصحابة خرجوا من هذا الوعيد الذي في الحديث بنص القرآن الكريم، وذلك في قول الله تعالى:
(( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً )). (الفتح : 18 ).
وقوله تبارك وتعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )). (التوبة : 100 ).
فهل بعد هذه التزكية والرضا من الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم؛ نقول أن القاتل والمقتول منهم في النار ؟؟!!
أضف إلى ذلك أنْ قد حكم لهم رب الجنة والنار ـ تبارك وتعالى ـ أنهم في الجنة بإعداده لهم إياها، بل وحكم لهم بالخلود فيها في قوله تعالى: (( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً )).
أم أن أحداً يقول أن الله تعالى لم يعلم أنهم سيقتتلون؟
فإن قال ذلك فقد كفر، لأنه نفى علم الغيب عن الله تعالى.
وإن قال عَلِمَ الله تعالى قتالهم مسبقاً؛ فنقول: إذن؛ قد زكاهم الله تعالى وحكم لهم بالرضا؛ فلا حاجة لتصنيف الصحابة رضي الله عنهم من قِبَلِ أحد من الناس.
كما خرج الصحابة من الوعيد الذي في حديث الباب بنص السنة، فالأحاديث في تزكية عموم الصحابة لا تعد ولا تحصى، والأحاديث التي جاءت بذكر تزكية بعضهم على الخصوص كذلك، أما في تزكية عموم الصحابة فقد قال صلى اله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي). حم، ق.
وقوله عليه السلام: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا).
وهذا النهي من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول يفيد تحريم سب الصحابة أو أحدهم والتنقص لهم، وإن الخوض والتحدث فيما وقع بينهم؛ من التنقص لهم والطعن فيهم، بل والطعن في أوامره صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الثاني أمر صلى الله عليه وسلم بإمساك ألسنتنا والكف عن ذكر ما شجر بينهم.
وأما تزكيته صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة على وجه الخصوص فقد صح عنه في الحديث أنه قال: (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة). حم. د. ت. هـ.

الوجه الرابع:


لمّا ثبت لنا أن الصحابة مؤمنين كما سبق في الوجه الثالث بنص القرآن؛ علمنا أن الآية في سورة الحجرات وهي قوله تعالى: (( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )). تتنزل عليهم وإن كانت لم تنزل فيهم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكان برهاناً على برهان؛ إذْ أن الصحابة في موقعت الجمل وصفين طائفتان، وهما مؤمنتان لا شك ولا ريب بنص القرآن والسنة، فقد تضمنت الآية الأولى منقبتين للصحابة: رضا الله تعالى لهم، وأنهم مؤمنين، (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ )) والآية الثانية؛ تضمنت مناقبٌ ثلاث: رضا الله، ودخولهم الجنة، وخلودهم فيها، (( رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ...... وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ....... خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً )). فبهذا يخرجون الصحابة من الوعيد الذي جاء في الحديث المذكور بالنص.
وقد بوب البخاري في صحيحه بهذه الآية فقال:
"بَاب ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) فَسَمَّاهُمْ الْمُؤْمِنِينَ".


نكتة لطيفة:

في هذه الآية لم يرتب سبحانه وتعالى عقوبة أخروية على الطائفة الباغية التي وصفها بأنها مؤمنة؛ حتى لا يتشبث بذلك أصحاب بيت العنكبوت، فلم يقل: فإن أبت فلها عذاب أليم، أو فلهم نار جهنم، فتنبه أيها اللبيب لذلك.

الخاتمة

أختم هذا البحث بقول إمام من أئمة السلف شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول ـ رحمه الله – في العقيدة الواسطية، و "مجموع الفتاوى": "ومن أصول أهل السّنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ولهم ـ الصحابة ـ من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى أنهم يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر بعدهم، ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه أو غُفر لـه بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلى ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر والخطأ مغفور".

وقال رحمه الله كما نقله عنه صاحب "طريق الوصول إلى العلم المأمول": "ومَن عَلِم ما دل عليه القرآن والسنة، من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير هذه الأمة التي أخرجت للناس، لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة، منها ما لا يُعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يعلم كيف وقع، ومنها ما يعلم عذر القوم فيه، ومنها ما يعلم توبتهم منه، ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره،

فمن سلك سبيل أهل السنة؛ استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل ونقض وتناقض، كحال هؤلاء الرافضة الضُلال".
وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه اجمعين،،،،،،