حول ما يسمى برزية الخميس

حول ما يسمى برزية الخميس


 

السلام عليكم ورحمة الله سماحة المرجع الشيخ حسين المؤيد أيده الله
سؤالي عن الروايات المتواترة في كتب العامة عن قول الخليفة عمر للرسول (ص) بأنه يهجر وفي رواية اخرى غلب عليه أو بما يعرف برزية يوم الخميس ما هو رأي فضيلتكم في هذه الروايات؟
 

الجواب:
في مقام الجواب على هذا السؤال لا بد من بيان ما يلي: -
أولاً: - إن الروايات التي نقلت هذه القضية ليست متواترة، ذلك أن الخبر المتواتر هو خبر جماعة بلغوا في الكثرة حدا يمتنع تواطؤهم على الكذب، والكثرة العددية هي جوهر التواتر، وبها يقع التمايز بين الخبر المتواتر وخبر الآحاد. وأنت إذا تتبعت ما ورد في هذا المجال تكتشف بوضوح أن الروايات الناقلة لهذه القضية لم تبلغ حد التواتر أصلاً على الأقل في طبقاتها المتقدمة، ولم يتحقق بها لا التواتر اللفظي ولا التواتر المعنوي ولا التواتر الإجمالي. ونحن هنا ننفي تواتر أصل القضية، فضلا عن دعوى تواتر القول المزعوم عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه بأن النبي يهجر، فدعوى تواتره من الكذب البيّن.
ثانياً: - إن هذه الروايات لا بد من طرحها لسقوطها عن الحجية بمخالفتها للقرآن الكريم لقوله تعالى: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] حيث دلت الآية الكريمة على عدم تمكن أي واحد من الناس من الحيلولة بين النبي وبين ما يريد إبلاغه للناس، فما بالك بشيء يريد النبي عليه الصلاة والسلام تسجيله على مستوى صيانة الأمة من الضلال، حسب ما ورد في هذه الروايات.
ثالثاً: - هناك مجموعة من القرائن تدلل على عدم مطابقة هذه الروايات للواقع، منها:
1 - من غير المعقول أن يترك النبي صلوات الله وسلامه عليه بيان ما يصون أمته من الضلال، لا من موقع حرصه على أمته، ولا من موقع حرصه على الرسالة، ولا من موقع وظيفته كنبي، لاسيما بعد أن خاطبه الله تعالى مشدداً عليه في قضية زيد { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً } [الأحزاب: 37-39] ، فلا يمكن منطقيا أن يكون التنازع عنده موجبا لإعراضه عن بيان ما يصون أمته من الضلال.
2 - لو فرضنا أن النبي امتنع عن بيان ما أراد بيانه في يوم الخميس حين اشتدّ به وجعه للتنازع، فما الذي منعه من بيان ذلك فيما بعد وقد كانت حاله تتحسن قبل موته، فغلبة الوجع عليه لم تكن مستمرة لا تنفك عنه طيلة مرضه الأخير.
3 - إن الصحابة لا سيما كبارهم يدركون جيداً أن النبي لا يعرض عليه لا في حال صحته ولا في حال مرضه ما يتهم معه في بيانه المتصل بأمور الدين، فليس من المعقول منطقيا أن يتهم في قوله (أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا)، ولو فرضنا جدلا أن البعض كان يتوجس مما سيكتب فإنه لا يستطيع أن يمنع بذريعة الهجر لأن هذه الذريعة لن تكون مقبولة ولا مبَرَرَة، فهو لن يتذرع بها، لأن الجميع يدرك أن النبي لا يتطرق إليه الشك في بيانه لما يتصل بالدين، وهو غير متهم عليه لأنه معصوم.
4 - إن شخصية النبي عليه الصلاة والسلام بوصفه رسول الله وبوصفه الزعيم المطلق وقد ثنيت له الوسادة في آخر أيامه وصارت جزيرة العرب في قبضته والناس طوع أمره ونهيه توهن هذه الروايات بحسب منطق طبيعة الأشياء، وتخيل لو أن شيخ قبيلة كبيرة وهو زعيمها وعلى فراش المرض يطلب أن يسجل وصية له فهل تحتمل منطقيا أن يتجرأ من يصفه بالهجر ومن يحاول أن يحول بينه وبين مايريد؟ فكيف برسول الله عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين وزعيم المسلمين وسيد الجزيرة، هل يحتمل منطقياً أن يطلب تسجيل ما يصون الأمة من الضلال فيتهم ويتنازع عنده ويكثر عنده اللغط بحد يثنيه عن بيان ما يريد؟. وهل يحتمل منطقيا أن يقبل صحابي لنفسه أن يظهر أمام الناس بمظهر الإنسان الذي يثير اللغط والخلاف بين يدي رسول الله، ويتكلم بكلام لا يليق أن يقال لمن هو أدنى مكانة من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وربما صار موقفه سبة عليه فيما بعد وممسكا للطعن فيه. فأي صحابي يقبل لنفسه ذلك؟
5 - إن المتتبع للسيرة يعلم بوضوح أن الصحابة الملازمين لرسول الله عليه الصلاة والسلام ومن أبرزهم عمر رضي الله عنه هم من صفوة أصحابه ومن أشد الناس قرباً وحباً له ومن أخلصهم للدين والرسالة وأنصحهم للأمة، وقد كانوا منصاعين لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه لا يخالفونه في المنشط والمكره، وهم يدركون جيدا مكانته كنبي وموقعهم منه، فلا يحتمل في حقهم أن يصدر من أحد منهم ما تنسبه إليه هذه الروايات. وكيف نصدِّق خبر آحاد ونغض النظر عن قوله تعالى في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح: 29] وهل بعد هذه الآية هناك مجال للتصديق بهذه الروايات؟.
6 - إن في ما يروى بهذه الروايات مفارقة فهي تزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام أحجم عن تسجيل ما يصون الأمة من الضلال، لكنه مع ذلك أوصى بثلاثة أمور - وهي ليست على مستوى صيانة الأمة من الضلال - فكيف لا ينثني عن الوصية بهذه الأمور وينثني نهائيا عن بيان ما يحفظ أمته إلى الأبد من الضلال؟.
إنني أعتقد أن هذه الروايات مما دسّ بهدف تزييف التاريخ والطعن على الصحابة لا سيما سيدنا عمر رضي الله عنه، ولا يشفع لهذه الروايات بعد كل ما تقدم من مناقشات أن تكون عند البخاري أو غيره. وإن نصاعة صفحة عمر والصفوة من صحابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لهي أبين من صحيح البخاري، وأحق بالدفاع والإتباع.
وقد حاول الشيعة توظيف هذه الروايات لمقاصدهم، فزعموا أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكتب كتاباً يسجل فيه تعيينه عليا عليه السلام للخلافة، وأن بعض الصحابة ومنهم سيدنا عمر رضي الله عنه فهموا ذلك فحاولوا أن يحولوا دونه ولو اقتضى ذلك اتهام النبي بالهجر.
والواقع أن هذا من الجهل والزيغ، فمضافاً إلى المناقشات التي تقدمت نقول :-
1 - إن دعوى أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان يريد أن يسجل في الكتاب تعيين علي عليه السلام خليفة من بعده، ما هي إلا رجم بالغيب، وظن لا يغني من الحق شيئاً، وليس في هذه الروايات إشعار بذلك فضلا عن الظهور، ولا يملك الشيعي قرينة يرد بها على من يدعي بخلاف دعوى الشيعي ويقول بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يكتب بالخلافة إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
2 - لو كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يسجل تعيينه عليا خليفة من بعده ليكون ذلك توثيقا مسجلا لا يحيد عنه حائد، فلماذا يؤخر ذلك إلى مرض وفاته والى حين يشتد به وجعه، أما كان الأجدر والأنسب أن يسجل ذلك في حال صحته حيث لا ينفتح مجال لطعن طاعن أو تشكيك مشكك؟، ولماذا لم يصنع ذلك في غدير خم؟.
3 - إن الشيعة يقولون إن آية { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] قد نزلت في شأن إبلاغ خلافة علي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعنى ذلك أن الله تعالى تكفل بعصمة النبي من الناس الذين لا يروق لهم ذلك، وهذا لا ينسجم مع دعواهم في توظيفهم لهذه الروايات، لأن النبي حسب هذه الروايات لم يعصم من الناس فقد أثنوه عن كتابة ما يريد، فلقائل أن يقول إن النبي لو كان يريد تسجيل تعيين علي للخلافة بعده لعصم من الناس ولما تمكن أحد من ثنيه عن ذلك، فثنيه عنه يكشف عن أنه كان بصدد أمر آخر، والآية حسب مدعى الشيعة إنما دلت على تكفل الله تعالى بعصمة رسوله من الناس فيما يخص تبليغ خلافة علي له. وليس من المنطقي أن يتكفل الله تعالى بعصمة نبيه من الناس في أمر يبلغه شفاها في غدير خم، ولا يتكفل بعصمته من الناس في تسجيله لهذا الأمر وتوثيقه له كتبيا، والتوثيق الكتبي أهم من التبليغ الشفاهي وأشد أثراً وتثبيتاً.
وهكذا يتضح أن هذا التوظيف توظيف فاشل، كما اتضح أن هذه الروايات أصلا ليست ناهضة في نفسها، ولا يصح الأخذ بها ولا الإحتجاج بها ولا التعويل عليها.

http://almoaiyad.com/question/ethaf_elsaeel/4_8.html