×

عقيدة الرجعة

عقيدة الرجعة

الكاتب: حامد الإدريسي

عقيدة الرجعة

إن الانتقام وقهر الخصم، محبب إلى النفوس، فالنفس البشرية مجبولة على كره من ظلمها وحب الانتصار منه، ويتحقق لها من السعادة في ذلك ما لا يوصف.

حتى قال أحد الشعراء حين أدرك ثأره:

فطاب لي الشراب وكنت قبلا *** أكاد أغص بالماء الحميم[1]

لذا فقد أرضت هذه العقيدة غريزة الثأر والانتقام عند الشيعة من أعدائهم قديما وحديثا، وجعلتهم يحسون بنشوة الانتصار، ولو في الأحلام، إذ كان أعدائهم عبر التاريخ بدءا بصحابة رسول الله ثم الخلفاء الراشدين، فمن بعدهم، أهل شوكة ومنعة، وأهل جند وعز، وكان هذا النصر والعز دافعا لكثير من الشيعة لأن يرتاب في عقيدته المخذولة، وينصرف عن جماعته المهزومة، فكانت الرجعة موعدهم المنتظر، يوم النصر والثأر من كل أعدائهم:

فكانوا يعزون أنفسهم بمثل هذه النصوص: «لترجعن نفوس ذهبت، وليقتصن يوم يقوم، ومن عذب يقتص بعذابه، ومن أغيظ أغاظ بغيظه، ومن قتل اقتص بقتله، ويرد لهم أعداؤهم معهم، حتى يأخذوا بثأرهم، ثم يعمرون بعدهم ثلاثين شهرا، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوهم إلى أشد النار عذابا. ثم يوقفون بين يدي الجبار عز وجل فيؤخذ لهم بحقوقهم».

فالرجعة في العقيدة الشيعية، هي رجوع شخصيات بعينها انتقاما منهم، إلى هذه الحياة الدنيا، فيرجع المنتقمون، وهم من علت درجتهم في الإيمان، والمنتقم منهم، وهم من بلغ الغاية في الفساد، يقول أحد معاصريهم:

(من حصيلة مجموع الروايات الواردة في هذا الباب نلاحظ أنها تنص على رجعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، والإمام الحسين عليه السلام، وكذلك باقي الأئمة والأنبياء عليهم السلام. وتنص كذلك على رجعة عدد من أنصار الإمام المهدي عليه السلام، ووزرائه، وبعض أصحاب الأئمة وشيعتهم،

ورجعة الشهداء والمؤمنين، ومن جانب آخر تنص على رجعة الظالمين وأعداء الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام، وخصوم الأنبياء والمؤمنين، ومحاربي الحق والمنافقين) [2].

وبما أن أول عدو للشيعة هو أول ظالم ظلم حق محمد والثاني والثالث[3]، وهم أشد من بلغ الغاية في الظلم والفساد، فهم أول الراجعين لينتقم المهدي منهم.

إن هذه العقيدة هي من العقائد التي أجمعت الشيعة الاثني عشرية على الاعتقاد بها، يقول عالمهم الحر العاملي في كتابه "الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة" بعد أن ذكر أدلتهم على الرجعة: «ومنها -أي الأدلة- إجماع جميع الشيعة الإمامية، وإطباق الطائفة الاثني عشرية على اعتقاد صحة الرجعة، فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث المتواترة عن النبي والأئمة عليهم السلام، الدالة على اعتقادهم بصحة الرجعة، حتى أنه قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدي»[4]

عن أبي عبد الله قال: (ما يقول الناس في هذه الآية ويوم نحشر من كل أمة فوجا، قلت يقولون إنها في القيامة، قال ليس كما يقولون، إن ذلك في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين، إنما آية القيامة قوله: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا)[5]

وعنه قال: «فمهل الكافرين يا محمد، أمهلهم رويدا لوقت بعث القائم عليه السلام فينتقم لي من الجبارين والطواغيت من قريش وبني أمية وسائر الناس»[6]

ورأس الطواغيت عندهم هما الجبت والطاغوت، أبو بكر وعمر، صهري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرحون بهذا في روايات أخرى، كقصة ابن المهزيار الذي التقى الإمام المنتظر في واد بعد الطائف، -ولا أدري ما الذي جاء به إلى الطائف! فلعله مل من السرداب في سامراء- فمما قال له: «ألا أنبأك الخبر أنه إذا قعد الصبي، وتحرك المغربي، وسار العماني، وبويع السفياني يأذن لولي الله، فأخرج بين الصفا والمروة في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سواء، فأجئ إلى الكوفة وأهدم مسجدها وأبنيه على بنائه الأول، وأهدم ما حوله من بناء الجبابرة، وأحج بالناس حجة الإسلام، وأجئ إلى يثرب فأهدم الحجرة، وأخرج من بها وهما طريان، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يصلبان عليهما، فتورق من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشد من الفتنة الأولى، فينادي مناد من السماء: يا سماء أبيدي، ويا أرض خذي، فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلا مؤمن قد أخلص قلبه للإيمان.

قلت: يا سيدي، ما يكون بعد ذلك. قال: الكرة الكرة، الرجعة الرجعة»[7].

ويقرر شيخهم المجلسي هذه العقيدة بعد أن ذكر أدلتها، فيقول: «اعلم يا أخي! أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك في القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتى نظموها في أشعارهم، واحتجوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم، وشنع المخالفون عليهم في ذلك،... وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار عليهم السلام، فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني، والصدوق محمد ابن بابويه، والشيخ أبي جعفر الطوسي - وذكر أسماء من أخرج هذه الروايات- ثم قال: وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين، ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين، فيحتال في تخريب الملة القويمة، بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين، وتشكيكات الملحدين، يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون»[8]

وسيأتيك في المبحث التالي، كيف أن الشيعة تربى بهذه العقائد وبهذه الأماني منذ زمن بعيد.

 

[1] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 53 - ص 44

[2] الرجعة أو العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت - مركز الرسالة - ص 53 - 54

[3] أي أبو بكر وعمر وعثمان، وهذا نص من دعاء يوم عاشوراء المشهور عندهم، انظر كامل الزيارات ص331 والمزار ص 484 والبحار ج98 ص293

[4] نفس المصدر ص 63 - 64 ويقصد أن المهدي أخرج لهم توقيعا بذلك، وهذا من أقوى الأدلة عندهم.

[5] تفسير القمي ج 1 - ص 24

[6] تفسير القمي: ج 2 ص 416

[7] دلائل الإمامة للطبري ص 522

[8] بحار الأنوار ج 53 - ص 122 – 123