×

فخر الدين الرازي (2)

فخر الدين الرازي (2)

الكاتب: موقع الدرر السنية

فخر الدين الرازي (2)

د ـ موافقته لأقوال الفلاسفة في بعض المسائل التي اختصوا بها، وهو وإن رجع عن بعضها إلا أن أقواله وترجيحاته بقيت مدونة في كتبه، ومن أهم الأمثلة على ذلك:

قوله بالعقول المجردة، وأن لكل ملك نفساً، ويرى أن دليل المتكلمين على إبطال ما قاله الفلاسفة من وجود العقول المجردة دليل ضعيف.

قوله بالمثل الأفلاطونية في بعض كتبه، فقد أثبتها في الملخص في الحكمة والمنطق، وقال في شرح الإشارات: " ما قامت الدلالة القاطعة على فسادها "، ولكنه في المباحث المشرقية أبطلها.

وأخطر قضية قال بها ووافق فيها الفلاسفة قوله بالتنجيم وأن الكواكب أرواحاً تؤثر في الحوادث الأرضية، وكذلك قوله في السحر، وتأليفه في ذلك كتاباً مستقلاً سماه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) وقد أثار هذا الكتاب جدلاً حول صحة نسبته إليه، واختلف حوله، بين نافٍ، وشاكٍ، ومثبتٍ، وقد عرض الزركان الخلاف حوله، واستقصى أقوال العلماء في ذلك، ثم رجح صحة نسبته إليه، وممن رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متفرقة من كتبه، وكتاب (السر المكتوم) أشار إليه الرازي وأحال عليه في بعض كتبه، وقد وصل إلينا وطبع في الهند، إلا أن الذي يدل دلالة قاطعة على صحة نسبة هذا الكتاب إليه أنه ذكر هذه المسألة في كتاب من أواخر كتبه وأشهرها - ولم يتمه - وهو كتاب (المطالب العالية)، وقد قال فيه - عند حديثه عن السحر وأقسامه وهو القسم الثالث في كتاب (النبوات) - "اعلم أنا ما رأينا إنساناً عنده في هذا العلم شيء معتبر، وما رأينا كتاباً مشتملاً على أصول معتبرة في هذا الباب إلا أنا لما تأملنا حصلنا فيه أصولاً وجملاً، فمن جاء بعدنا وفاز بالفوائد والزوائد في هذا الباب فليكن شاكراً لنا، حيث رتبنا له هذه الأصول المضبوطة، والقواعد المعلومة " ، ثم يقول: " ثبت بالدلائل الفلسفية أن مبادئ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الأشكال الفلكية، والاتصالات الكوكبية، ثم إن التجارب المعتبرة في علم الأحكام (أي أحكام النجوم) انضافت إلى تلك الدلائل، فقويت تلك المقدمة جداً " ، ثم ذكر الأدلة على صحة هذا العلم وأن منها إطباق من قديم الدهر على التمسك بعلم النجوم، ثم قال بعد ذكره لوجوه صعوبة هذا العلم: " فهذا ضبط الوجوه المذكورة في بيان أن الوقوف على أحوال هذا العلم بالتمام والكمال صعب، إلا أن العقلاء اتفقوا على أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فهذا العلم وإن كان صعب المرام من هذه الوجوه إلا أن الاستقراء يدل على حصول

النفع العظيم فيه، وإذا كان كذلك وجب الاشتغال بتحصيله والاعتناء بشأنه، فإن القليل منه كثير بالنسبة لمصالح البشر " ، وله بعد ذلك كلام غريب وخطير في هذا الباب.

وقد كان من آثار هذا الشرك الصريح، أنه ذكر أن من الأنواع المعتبرة في هذا الباب اتخاذ القرابين وإراقة الدماء، فقال: " إنه لما دلت التجارب عليها وجب المصير إليها" ، بل قال بتعظيم المزارات والقبور وأن الدعاء عندها فيه فائدة فقال في معرض ذكره لحجج القائلين بأن النفس جوهر روحي مفارق - وهو ما رجحه في كتابه هذا- : " الحجة الثالثة: جرت عادة العقلاء بأنهم يذهبون إلى المزارات المشرفة، ويصلون ويتصدقون عندها، ويدعون في بعض المهمات، فيجدون آثار النفع ظاهرة، ونتائج القول لائحة، حكى أن أصحاب أرسطو كانوا كلما صعبت عليهم مسألة ذهبوا إلى قبره وبحثوا فيها كانت تنكشف لهم تلك المسألة، وقد يتفق أمثال هذا كثيراً عند قبور الأكابر من العلماء والزهاد في زماننا، ولولا أن النفوس باقية بعد البدن، وإلا لكانت تلك الاستعانة بالميت الخالي من الحس والشعور عبثاً، وذلك باطل ".

هذه أقوال هذا الإمام الذي يقتدي به الكثيرون، ولعل الرازي قد تاب من ذلك قبل وفاته ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ به من زيغ القلوب، ونسأله الثبات على دينه الحق إلى أن نلقاه.

ومن المسائل التي كان قوله فيها مضرباً، وكثيراً ما يميل فيها إلى أقوال الفلاسفة، مسألة النبوة، وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم.