×

الحلم الصفوي إلى أين؟! (2)

الحلم الصفوي إلى أين؟! (2)

الكاتب: أحمد الظرافي

الحلم الصفوي إلى أين؟! (2)


حيدر وتكوين جيش القزلباش:

هكذا تسنم هذا الطفل زعامة زاوية أردبيل، وذلك تحت إشراف خلفاء والده، فكان هؤلاء يلقنونه العقائد الشيعية المتطرفة، دون علم أوزون حسن، لكونهم كانوا يتبعون أسلوب «التقية»، بانضباطٍ شديدٍ، كما كانوا يتعهدونه بالتمرينات العسكرية والبدنية القاسية، لأن الغارات ضد الكفار صارت جزءاً من أنشطتهم لخدمة أهدافهم السياسية، وكان أوزون حسن، قد أتاح لهم حرية العمل، لمساعدتهم له في قتل جهانشاه، فاستغلوا هذه الفرصة، وأنشأوا في أردبيل ورشة لتصنيع السلاح، وشحنوا مخازنهم بأنواع الأسلحة. وعندما بلغ حيدر الحلم زوجه أوزون حسن بابنته «مارتا» من زوجته «كاترينا» النصرانية، ابنة ملك طرابزون، فنتج عن ذلك اتساع نفوذه، وزيادة قدرته على قمع معارضيه، حيث صارت زاوية أردبيل في عهده دولة داخل الدولة. ولكن أوزون حسن توفي فجأة سنة 882هـ/1477م، وتغلب على الحكم بعده ابنه يعقوب، وكان هذا محباً للعلم والأدب، فاستعاد العلماء في عهده بعضاً من مكانتهم التي فقدوها من قبل، فأخذوا ينكرون بدع الصوفية، وبالتالي، يسحبون البساط من تحت أقدامهم. ولم يرق ذلك للشيخ حيدر، فصمم على مواجهة هذا التحدي، فأمر مريديه أن يضعوا على رءوسهم عمامة حمراء باثنتي عشرة ذؤابة، رمزاً إلى الأئمة الاثني عشر. وانتظم مريدوه الذين لقبوا، منذ ذلك الوقت، بلقب «قزلباش» أي أحمر الرأس، في وحدات خاصة، مسلحة ومنضبطة، واتجهوا بغاراتهم إلى مدن شروان وداغستان، ذات الغالبية السنية، ومارسوا ضد علماء أردبيل أساليب غاية في الخسة وتحولت زاوية أردبيل إلى مركز لبث الرعب والخوف. ولما كان حيدر ابن عمة السلطان يعقوب وزوج أخته فقد كان يتبع أسلوب المداراة معه، وكان حيدر، بدوره، كرجل نشأ على التقية، يتقن كل أساليب الخداع وادعاء المظلومية، التي كانت تنطلي على السلطان. وكان إذا لم تنفع هذه الأساليب توسل بأمه لديه، فكان السلطان يخضع لتوسلات عمته فيعفو عنه. لكنه في النهاية ضيق عليه، فخضع حيدر لفترة «تقية». ثم إنه عاد للعمل، بزعم، إحياء فريضة الجهاد، ودشن ذلك، بالإغارة على شروان للثأر لوالده من ملكها، فاستغاث شروان شاه بالسلطان يعقوب، فبعث هذا جيشاً مدداً له، فخاض الجيشان معاً معركة ضارية ضد القزلباش، انتهت بمصرع حيدر وهزيمة القزلباش سنة 893هـ/1488م. وبعد ذلك أمر السلطان يعقوب بنفي أخته مارتا وأولادها علياً وإبراهيم وإسماعيل إلى شيراز، وأمر عامله عليها أن يسجنهم في قلعة اصطخر، وأن يمنع القزلباش من الاتصال بهم.

المخاض العسير للحلم الصفوي:

بعد ثلاث سنوات توفي السلطان يعقوب، وذلك سنة 896هـ/1491م، وتغلب رستم بيك بن مقصود بن أوزون حسن على تبريز، في ظل منافسة حادة من ابن عمه بايسنقر بن يعقوب، لذلك أمر رستم بيك بإعادة عمته وأولادها إلى أردبيل، وأجلس أكبرهم (علي)، على مسند زاويتها، بلقب السلطان علي. وذلك للاستفادة من نفوذهم لجلب القزلباش إلى جانبه. وهكذا اجتمع القزلباش حول خلفاء حيدر من جديد، فسلطهم رستم بيك على منافسه بايسنقر، فخلصوه منه سنة 897هـ/1492م، فزاد هذا من أهميتهم عنده، فأطلق أيديهم في أردبيل، ولكنهم عادوا لأساليبهم القديمة، ولذلك، وأيضاً، لخشيته من ضخامة حشودهم، فقد أمر بإحضار السلطان علي وأخويه إلى تبريز، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية. ولكن بعض القزلباش قاموا باقتحام مقر إقامتهم وأخرجوهم منه، فأرسل رستم بيك قوة لمطاردتهم، فقتل السلطان علي وأخوه إبراهيم أثناء تلك المطاردة، وذلك سنة 899هـ/1494م، وقام سبعة من قادة القزلباش بتهريب إسماعيل ابن الثامنة، إلى جيلان، وأخفوه في منزل صائغ يهودي، في رشت، ولما خف الطلب عليه، أودعوه عند «كاركيا ميرزا علي»، حاكم لاهيجان، الزيدي المذهب، والذي خصص قسماً من داره لإقامته وقادة القزلباش السبعة، وقد لقب هؤلاء أنفسهم بلقب «أهل الاختصاص»، وظلوا على صلة بأتباعهم في الأناضول، وواصلوا دعايتهم لزعامة إسماعيل، الذي لقبوه بالشاه، وعندما قدم بعث حاكم تبريز لاستلام إسماعيل احتال حاكم لاهيجان في إخفائه وأنكر وجوده. ثم إن الحروب اشتعلت بين البايندريين بأذربيجان، فتمتع إسماعيل بالحرية بلاهيجان. وكان الخلفاء السبعة يعدونه من النواحي العقائدية والسياسية والعسكرية للقيادة، واستأجروا له معلماً لتعليمه القراءة والكتابة، وصنعوا منه إلهاً مطاعاً، وصوروا له أهل السنة بأبشع صورة، وربوا فيه كرههم بأشنع طريقة. كان كلما جلس أحدهم أمامه بكى متذكراً الإمام الحسين والشيخ الجنيد والشيخ حيدر، ولعن السنيين الذين قتلوهم، وتمنى أن يمنحهم الله الفرصة للانتقام لدمهم منهم. فكان هذا الأسلوب يؤجج مشاعره للانتقام، ويثير فيه مشاعر الشراسة، كما أن هذه المعاملة، جعلته يعتقد، كطفل، أنه مخلوق مقدس. وكان في طفولته ميالاً لإراقة الدماء، فعملوا على تقوية ذلك فيه، حتى لا يضعف أمام توسلات السنة عندما يحين وقت الانتقام منهم. وفي سنة 902هـ/1497م اغتيل رستم بيك، وبذلك أزيحت العقبة الأخيرة من طريق الصفويين، لاسيما وأن الصراعات في أذربيجان ازدادت حدة، وباتت البلاد على شفير الهاوية. خروج المارد الصفوي من القمقم: بحلول عام 905هـ/1499م رأى قادة القزلباش المحيطون بالشاه إسماعيل أن الفرصة باتت سانحة للتحرك، فخرجوا من مقرهم بجيلان، وأخذوا إسماعيل إلى منتجع في شواطئ بحر الخزر في الشمال، فأخذ القزلباش يحتشدون حولهم، فتحرك إسماعيل بصحبة بعضهم إلى أردبيل، لزيارة ضريح جده. ولكن حاكم أردبيل شك في نواياهم، فأمرهم بالمغادرة، فعادوا من حيث أتوا. وكان إسماعيل أثناء هذه التحركات، يُستقبل بحفاوة، لأن السيادة في مناطق إيران الشمالية الغربية، آنذاك، كانت للأسر المحلية، والتي كان كثير منها من مريدي الطريقة الصفوية، كما أن تلك المناطق، كانت بعيدة عن مركز قوة الآق قونيلو، بتبريز، والمنشغلين أصلاً بالصراع في ما بينهم، فكانت هذه المناطق، بالتالي نقاط ارتكاز، انطلق منها إسماعيل لتحقيق الحلم الصفوي، والتفت حوله هناك حشود هائلة من أتباعه، وكان أكثرهم على استعداد للموت بإشارة من يده، لأنهم كانوا يعتقدون أنه تجسيم للإله، كما انضم إليه كل الحاقدين على العثمانيين، ولذلك قرر إسماعيل سنة 906هـ/1500م، مهاجمة شروان، والانتقام من ملكها لأبيه وجده، فهاجمها القزلباش بضراوة، وقتلوا ملكها شر قتلة، وارتكبوا الفظائع بحق أهلها، وكان هذا أول فتوحات إسماعيل. وفي العام التالي قرر فجأة الزحف على تبريز، فدخلها دخول الفاتحين، بعد أن هزم حاكمها ألوند ميرزا، حفيد أزون حسن، وكان عمر إسماعيل آنذاك 14 سنة، وكان أول عمل قام به في تبريز، هو إعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً وحيداً للدولة، وارتكب بحق أهل تبريز، أصحاب المذهب الباطل، بحسب زعمه، مجزرة رهيبة، ودمر الكثير من مساجدها، واستباح الحرمات، ثم كانت هذه الأعمال المروعة، بعد ذلك، الشغل اليومي للقزلباش، الذين تحولوا إلى وحوش مفترسة. هكذا انقلب السحر على الساحر، وعلى كل الذين ظنوا أن هذه الجماعة ستكون ألعوبة في أيديهم، وخرج المارد الصفوي الشيطاني من القمقم فابتلعهم جميعاً، وبعد ذلك استعصى القضاء عليه حتى من قبل أقوى قوة في العالم وقتذاك، وهي الدولة العثمانية، برغم هزيمتها له مراراً، ولنا أن نتصور حجم الكارثة التي كانت ستلحق بالإسلام والعرب في المشرق، لو لم ينتصر العثمانيون على الصفويين في معركة تشالديران سنة 920هـ/1514م. فقد كانت صدمة الصفويين أعنف صدمة تعرض لها المسلمون في تاريخهم، ولم يتم استيعابها حتى اليوم، وتاريخ الصفويين الدموي لما يكتب بعد، وما زلنا لا نعرف سوى القليل من فصوله المروعة، إلا أننا صرنا نرى بأم أعيننا، بعض تلك الفصول تتكرر حالياً، بأيدي أحفادهم في العديد من البلدان الإسلامية.