×

غزوة أحد

غزوة أحد

الكاتب: ابو اسحاق القطعاني

غزوة أحد

وكانت أُحد نتيجةً لبدر، وقد سبقها إرهاصات قرشية لتحقيق رغبة الانتقام مما وقع لهم ببدر فأرادت قريش أن تنتقم لقتلاها، فمنها فيما ذكر أهل السير غزوة قرقرة الكدر[1] وغزوة السويق[2] وغزوة ذي أمر[3] وغزوة بحران[4] وغزوة القردة[5] ثم جاءت أحد فخرجت قريش بِحَدِّهَا وَجَدِّهَا وَأَحَابِيشِهَا، وَمَنْ مَعَهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظَّعْنِ الْتِمَاسَ الْحَفِيظَةِ، وَلِئَلَّا يَفِرُّوا.

فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدم قريش تريد قتاله استشار أصحابه، أولئك الثقات المؤتمنون فخيرهم بين التحصن في المدينة – وكان يميل إلىه – وبين الخروج إلى قريش لقتالهم، فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْرٌ وَحُضُورُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا، لا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا[6]

وأكدوا تأكيدًا على حبهم لهذا الدين ورغبتهم في قتال المشركين وذبهم عن حياض الدين وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ، وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ، وَاللهِ خَيْرٌ "، قَالَ: فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُمْ "، فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ يُدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْإِسْلَامِ؟ - قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ: " شَأْنَكُمْ إِذًا " - قَالَ: فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، قَالَ: فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْيَهُ، فَجَاءُوا، فَقَالَوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، شَأْنَكَ إِذًا، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ"[7]

فهؤلاء هم الأصحاب رضي الله عنهم، لا يتركوا بابا لنصرة الدين إلا وفتحوه ولم يسلموا من طعن الرافضة مطية المجوس فاتهموهم بالجبن، فما سلم منهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم منهم رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول الأب الذي رجع بثلث الجيش من الطريق خذلانا للنبي عليه السلام بدعوى عدم وقوع قتال ثم قال فيما حكاه ابن إسحاق:

أَطَاعَهُمْ فَخَرَجَ وَعَصَانِي، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أَيُّهَا النَّاسُ فَرَجَعَ بِمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرَّيْبِ وَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: يَا قَوْمِ أُذَكِّرُكُمُ الله ان تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ! قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لا نَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، فَلَمَّا اسَتَعْصَوْا عَلَيْهِ، وَأَبَوْا إِلا الانْصِرَافَ عَنْهُ، قَالَ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ! فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ!. [8]. حكاها ابن إسحاق بلا إسناد.

وفي هذا أنزل الله قوله " ? وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ? آل عمران: 166، 167.

وانقسم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أمرهم إلى فريقين فريق يريد أن يقاتلهم وفريق لا يرى ذلك، أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح من حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ:

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَرَجَعَ أُنَاسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهم فِرْقتان: فِرْقَةٌ تَقُولُ بِقَتْلِهِمْ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ? فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ? [النساء: 88] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ، وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ "[9]

وقد أثر فعل ابن سلول في نفوس بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بني سلمة وبني حارثة فهموا أن يرجعوا لولا أن ثبتهم الله عز وجل، أخرج البخاري في الصحيح عن جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا: ? إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ ? [آل عمران: 122] بَنِي سَلِمَةَ، وَبَنِي حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ? وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ?[10]

وقول الحافظ في الفتح معلقًا على هذا الخبر:

قَوْلُهُ وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاللَّهُ يَقُولُ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا أَيْ وَإِنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِهَا غَضٌّ مِنْهُمْ لَكِنْ فِي آخرهَا غَايَة الشّرف لَهُم قَالَ بن إِسْحَاقَ قَوْلُهُ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا أَيِ الدَّافِعُ عَنْهُمَا مَا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَشَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ مِنْ غَيْرِ وَهْنٍ مِنْهُمْ[11]

وكانت راية رسول الله راية سوداء أخرج خليفة بسند حسن إلى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ:

 كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مِرْطًا مُرَحَّلا أَسْوَدَ مِنْ مَرَاحِلٍ كَانَ لِعَائِشَةَ، وَرَايَةُ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا الْعُقَابُ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ عَلَى الرِّجَالِ وَيُقَالُ الْمِقْدَادُ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْقَلْبِ وَعَلَى الرُّمَاةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَاللِّوَاءُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ فَقُتِلَ فَأَعْطَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ عَلِيًّا وَيُقَالُ كَانَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أَلْوِيَةٍ لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَلِوَاءٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو جَمِيعًا مَعَ الأَنْصَارِ.[12] مرسل

ونظم النبي صلى الله عليه وسلم صفوفه وأوصاهم، أخرج البخاري في الصحيح من حديث البَرَاء بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:

جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ»[13]

 

[1] تزعمتها بنو سليم وغطفان

[2] تزعمها أبو سفيان في ماتي فارس فقتلوا رجلين.

[3] وفيه خرج النبي لقتال غطفان ففروا من أمامه ولم يقع فيه قتال.

[4] وفيها غزا النبي صلى الله عليه وسلم بحران فيما بين مكة والشام ولم يقع فيها قتال.

[5] كانت بقيادة زيد بن حارثة وأغارت على عير لأبي سفيان في تجارة لقريش فغنمتها كلها.

[6] تاريخ الطبري 2/502 نقلا عن ابن إسحاق عن ابن شهاب الزهري وأبي عبد الله ابن حبان وأبي عمر عاصم بن قتادة وأبي محمد الحصين بن عمرو، وكلها مراسيل.

وروى الطبري عَنِ السُّدِّيِّ بسند ضعيف، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهَا أُحُدًا، قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَعُ! فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الأَكْلُبِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا غَلَبَنَا عَدُوٌّ لَنَا قَطُّ أَتَانَا فِي دِيَارِنَا، فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا! فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص عبد الله بن ابى بن سَلُولٍ- وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَهَا- فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الاكلب، وكان رسول الله ص يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَيُقَاتِلُوا فِي الأَزِقَّةِ، فَأَتَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يا رسول الله لا تحرمني الجنه، فو الذى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ: بِمَ؟ قَالَ: بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنِّي لا أَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ قَالَ: صَدَقْتَ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ ان رسول الله ص دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا.

قلت: رواية ابن إسحاق تؤازرها من وجوه وتخالفها من أخر.

[7] 23/99/ ح14787 قال المحقق: "صحيح لغيره".

[8] السيرة النبوية 2/64 وكان عدد المسلمين ألف فرجع ابن سلول بثلاثمائة – ثلث الجيش - وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف!

[9] المسند 35/477/ح21599 قال المحقق: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"

[10] 5/96/4051

[11] فتح الباري 7/357

[12] تاريخ خليفة ص67

[13] 4/65/ح3039