×

التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية

التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية

الكاتب: محب الدين الخطيب

التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية


التقريب بين المسلمين في تفكيرهم، واقتناعاتهم واتجاهاتهم وأهدافهم من أعظم مقاصد الإسلام ومن أهم وسائل القوة والنهوض والإصلاح وهو من الخير لشعوبهم وجامعتهم في كل زمان ومكان.


والدعوة إلى هذا التقريب إذا كانت بريئة من الغرض، ولا يترتب عليها في تفاصيلها ضرر يطغى على ما يرجى من نفعها، فإن على كل مسلم أن يستجيب لها، وأن يتعاون مع المسلمين على إنجاحها.


وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن هذه الدعوة ثم تطور التأثر به وبها حتى بلغ الأزهر، وهو أشهر وأضخم معهد ديني لأهل السنة المنتسبين إلى المذاهب الفقهية الأربعة، فتبنى الأزهر فكرة التقريب هذه بأوسع من نطاقه الذي التزمه بلا انقطاع من أيام صلاح الدين الأيوبي إلى الآن، فخرج الأزهر عن ذلك النطاق إلى رغبته في التعرف إلى المذاهب الأخرى، وفي طليعتها مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولا يزال الأزهر حتى هذه الساعة في بداية هذا الطريق. لذلك كان هذا الموضوع الخطير جديرا بالبحث، والدراسة والعرض من كل مسلم له إلمام به، ووقوف على ما يلابسه، وما يؤدي إليه من عوارض ونتائج.

ولما كانت المسائل الدينية بطبيعتها شائكة، فإن معالجتها ينبغي أن تكون بحكمة وبصيرة وسداد، وأن يكون المتصدي لدراستها على بينه من دخائلها، وعلى نور من الله وإنصاف في التحري والحكم، لتؤدي هذه المعالجة الغرض المطلوب منها، ولتنتج النتائج النافعة إن شاء الله.

وأول ما نلاحظه في هذا الأمر وفي كل أمر له علاقة بأكثر من طرف واحد أن من أقوى أسباب نجاحه أن يكون هناك تجاوب بين الطرفين، أو الأطراف ذات العلاقة به. ونضرب بذلك مثلاً بمسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة: فقد لوحظ أنه أنشأت لدعوة التقريب بينهما دار في مصر ينفق عليها من الميزانية الرسمية لدولة شيعية، وهذه الدولة الشيعية الكريمة آثرتنا بهذه المكرمة فاختصتنا بهذا السخاء الرسمي، وضنت بمثله على نفسها وعلى أبناء مذهبها، فلم تسخ مثل هذا السخاء لإنشاء دار تقريب في طهران أو قم أو النجف أو جبل عامل أو غيرها من مراكز الدعاية والنشر للمذهب الشيعي.

وإن مراكز النشر هذه للدعاية الشيعية صدر عنها في السنين الأخيرة من الكتب التي نهدم فكرة التفاهم والتقريب ما تقشعر منه الأبدان، ومن ذلك كتاب اسمه "الزهراء" في ثلاثة أجزاء نشره علماء النجف وقالوا فيه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إن كان مبتلى بداء لا يشفيه منه إلا ماء الرجال (!) وقد رأى ذلك الأستاذ البشير الإبراهيمي، شيخ علماء الجزائر عند زيارته الأولى للعراق. فالروح النجسة التي يصدر عنها مثل هذا الفجور المذهبي هي أحوج إلى دعوة التقريب إلى حاجتنا نحن أهل السنة إلى مثل ذلك. وإذا كان الافتراق الأساسي بيننا وبينهم قائماً على دعواهم أنهم أكثر منا ولاءً لأهل البيت، وعلى دعواهم أنهم يبطنون -بل يظهرون- الحقد والضغينة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قام الإسلام على أكتافهم إلى درجة أن يقولوا مثل هذا الكلام القذر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان الإنصاف يقتضي أن يبدءوا هم بتخفيف أحنتهم وضغينتهم عن أئمة الإسلام الأولين. وأن يشكروا لأهل السنة موقفهم النبيل من آل البيت وعدم تقصيرهم بشيء من واجبات الإجلال والتكريم لهم، إلا أن يكون تقصيرنا نحو آل البيت في أننا لم نتخذهم آلهة نعبدهم مع الله، كما هو مشاهد في مشاهدهم القائمة في الناحية الأخرى التي يراد التقريب بيننا وبينها.

إن التجاوب لابد منه بين الطرفين المراد تفاهمهما والتقريب بينهما، ولا يكون التجاوب إلا إذا التقى السالب بالموجب ولم يقتصر نشاط الدعوة إليه والعمل لتحقيقه على جهة واحدة دون الأخرى كما هو حاصل الآن.

وما يقال عن انفراد التقريب بدار واحدة في عاصمة أهل السنة وهي مصر دون عواصم المذهب الشيعي، ومراكز النشر النشيطة جداً للدعاية له والبغي على غيره يقال كذلك عن إدخال مادة هذا التقريب في مناهج الدراسة الأزهرية [1] قبل أن يكون لذلك مقابل، ومماثل في معاهد التدريس الشيعية  [2]. أما إذا اقتصر الأمر كما هو واقع الآن -على طرف واحد من الطرفين- أو الأطراف ذات العلاقة به، فإنه لا يرجى له النجاح، هذا إذا لم يترتب عليه رد فعل غير حميد.

ومن أتفه وسائل التعارف أن يبدأ منها بالفروع قبل الأصول!.


الفقه الإسلامي

فالفقه عند أهل السنة وعند الشيعة لا يرجع إلى أصول مسلّمة عند الفريقين[3]، والتشريع الفقهي عند الأئمة الأربعة من أهل السنة قائم على غير الأسس التي يقوم عليها التشريع الفقهي عند الشيعة، وما لم يحصل التفاهم على هذه الأسس والأصول قبل الاشتغال بفروعها وما لم يتم التجاوب في ذلك من الناحيتين، في المعاهد العلمية للطائفتين، فلا فائدة من إضاعة الوقت في الفروع قبل الأصول، ولا نعني بذلك أصول الفقه، بل أصول الدين عند الفريقين من جذورها الأولى.

 

 

[1] قال الألباني - جوابا عن سؤال -: ينتقد الأزهر لأنه - في الحقيقة - إدخال هذه الدراسة ليست ناحية دينية، بل ناحية سياسية مفروضة من (فوق)]

[2] قال الألباني: نحن سندرس مذهب الشيعة أين؟ في الأزه. ر وهم هل درسوا مذهب أهل السنة عندهم هناك في النجف؟ الجواب: لا]

[3] قال الألباني: المذاهب الأربعة - مثلا - كلهم يعتمدون على الكتاب والسنة، تعال يا حنفي، يا شافعي. أنت تخالفنا؟ هذا مرجعنا الكتاب والسنة.

أما الشيعة ليسوا كذلك. . . من المصادر عندهم مصادر تشييع العقل، فكم يكون الفارق - إذن - بين العقل السني وعقل الشيعي، فكيف يريدون أن يطابقوا هذين العقلين في مفاهيمهما، هذا أمر مستحيل. لذلك المقدمة هذه جد خطيرة]